سوريا 360- برلين- خاص
في فضاء ثقافي جمع بين الفن والحوار المجتمعي، اختتم في برلين معرض “جسور الضوء” فعالياته ضمن أسبوع برلين الثقافي، بمشاركة 14 فناناً وفنانة قدموا أعمالاً متنوعة في الرسم والنحت، واستخدموا خامات وتقنيات متعددة شملت المعدن والخشب والطين وغيرها من الوسائط التشكيلية.
لم يكن المعرض مجرد مساحة لعرض مجموعة من الأعمال الفنية، بل جاء كمشروع فني تبرعي حاول أن يضع الفن في علاقة مباشرة مع المجتمع، وأن يفتح أمام العمل التشكيلي مساحة تتجاوز حدود القاعة والجدار والاقتناء.
ويقول الفنان السوري “أحمد ياسين“، منظم المعرض، إن الفكرة الأساسية لـ”جسور الضوء” انطلقت من الإيمان بأن الفن لا يعيش منفصلاً عن المجتمع، بل يتفاعل معه ويستطيع أن يؤدي دوراً إنسانياً حقيقياً. ويوضح أن المعرض أراد أن يقدم نموذجاً يكون فيه الفنان جزءاً من محيطه الاجتماعي، وأن تتحول الممارسة الفنية من فعل جمالي فردي إلى مساهمة يمكن أن يكون لها أثر في حياة الآخرين.
14 فناناً واللغة المشتركة
ضم المعرض 14 فناناً وفنانة من المانيا كولومبيا تركيا اوكرانيا الاردن تركيا وسوريا ، لكل منهم تجربته الفنية الخاصة ومدرسته وأسئلته البصرية، وهو تنوع كان يمكن أن يتحول بسهولة إلى مجموعة متجاورة من الأعمال المنفصلة.
لكن التنظيم الفني للمعرض اتجه إلى خيار مختلف: خلق سردية بصرية تجمع الاختلاف بدلاً من إلغائه.
فلم تُعرض الأعمال باعتبارها وحدات منفردة فقط، وإنما جرى النظر إلى العلاقة بينها داخل الفضاء. اللوحة إلى جانب العمل النحتي، والخشب إلى جانب المعدن، والطين إلى جانب تقنيات الرسم المختلفة، بحيث أصبح اختلاف الخامات والأساليب جزءاً من البناء العام للمعرض.
ومن هنا تشكلت داخل القاعة حوارات بصرية غير مباشرة بين الأعمال. أحياناً تقوم على التقارب، وأحياناً على التباين، لكنها في الحالتين تساهم في إنتاج إيقاع بصري واحد.
وقد منح هذا الأسلوب المعرض شكلاً يتجاوز فكرة “مجموعة فنانين يعرضون في المكان نفسه”، ليصبح أقرب إلى مشهد فني متعدد الأصوات، تتجاور فيه التجارب المختلفة ضمن سردية واحدة عن الإنسان والمجتمع والثقافة.
![]()
اقرأ أيضا: فنان سوري يمد جسور الضوء في أسبوع برلين الثقافي
سعد هلال: المعرض يفتح سؤالاً حول وظيفة الفن
ومن بين زوار المعرض، رأى “سعد هلال” أن ما يميز “جسور الضوء” هو هذا التنوع الواسع في التجارب والوسائط الفنية. ويصف المعرض بأنه مساحة غنية بالأعمال، تجمع بين النحت والفن التشكيلي والرسم، وتتنقل بين التجريد والواقعية والانطباعية، إلى جانب أعمال نحتية منفذة بخامات مختلفة، من المعدن والخشب إلى الطين.
ويشير هلال إلى أن هذا التنوع لا يقتصر على الجانب الجمالي، بل يمنح الزائر فرصة لاكتشاف تعدد وظائف الفن وطرائق تعبيره. فكل مدرسة فنية وكل خامة تفتح باباً مختلفاً أمام المتلقي لفهم العمل والتفاعل معه.
لكن ما ترك أثراً خاصاً لديه، بحسب تعبيره، هو البعد الإنساني للمعرض. فقد رأى في فكرة تخصيص جانب من ريع الأعمال المباعة لمساعدة الناس المحتاجين والوقوف إلى جانب المتضررين أو دعم طلاب المدارس، انتقالاً بالفن من مساحة العرض إلى مساحة الفعل.
ويقول هلال إن هذا الجانب يمنح الفن “معنى إضافياً”، لأنه لا يكتفي بتقديم الجمال أو التعبير عن الفنان، وإنما يعرّف المتلقي أيضاً بما يمكن أن تكون عليه وظيفة الفن في المجتمع، وكيف يستطيع العمل الفني أن يتحول إلى وسيلة للتضامن والمساندة.
ومن هذا المنظور، يصبح الزائر نفسه جزءاً من دورة العمل الفني: يشاهد العمل، يتفاعل معه، وقد يقتنيه، ثم يتحول هذا الاقتناء إلى مساهمة في هدف إنساني. وهنا لا يعود الفن مجرد منتج ثقافي معروض أمام الجمهور، بل يصبح علاقة متبادلة بين الفنان والمتلقي والمجتمع.
تنظيم يحافظ على استقلالية الأعمال
كان أحد التحديات الأساسية أمام تنظيم معرض يضم تجارب متعددة هو الحفاظ على خصوصية كل فنان، من دون أن يتحول التنوع إلى فوضى بصرية.
ولهذا جاء توزيع الأعمال والعلاقة بين الفراغات جزءاً أساسياً من التجربة. لم يكن الهدف أن تتنافس الأعمال على انتباه الزائر، بل أن تمنح كل قطعة مساحتها، وفي الوقت نفسه أن تدخل في علاقة مع ما يحيط بها.
وبهذا المعنى، أصبح الفراغ نفسه عنصراً من عناصر العرض، يسمح للعين بالانتقال من عمل إلى آخر، ويمنح الاختلافات بين المدارس والخامات فرصة لأن تُقرأ ضمن سياق مشترك.
هذه المعالجة جعلت المعرض يبدو متنوعاً من دون أن يكون مشتتاً، ومفتوحاً على تجارب مختلفة من دون أن يفقد هويته العامة.
حضور رسمي وثقافي
شهد افتتاح المعرض حضوراً رسمياً وثقافياً، من بينهم القائم بأعمال السفارة السورية في برلين “محمد براء شكري”، إلى جانب ممثلة عن بلدية راينكيندورف في برلين.
كما زارت المعرض “أنيتا شماس”، معاون وزيرة التنمية الألمانية، واطلعت على الأعمال المشاركة وعلى فكرة المعرض وأبعاده الفنية والإنسانية.
ويأتي هذا الحضور في سياق اهتمام بالمبادرات الثقافية التي تفتح المجال أمام الفنانين السوريين في ألمانيا للتفاعل مع المؤسسات والجمهور والمشهد الثقافي المحلي.
![]()
اقرأ أيضا: مشاركة سورية أولى في معرض برلين للسياحة
حين يصبح اقتناء العمل مشاركة
إلى جانب قيمته الفنية والثقافية، حمل «جسور الضوء» بعداً تبرعياً واضحاً. فقد كان الهدف أن يتجاوز العمل الفني لحظة العرض، وأن يتحول اقتناؤه إلى مساهمة في الغاية الإنسانية التي أُقيم من أجلها المشروع.
وخلال أيام المعرض، تم بيع أكثر من ست لوحات، بما أضفى على الجانب التبرعي بعداً عملياً، وأظهر أن العلاقة بين الفن والجمهور يمكن أن تتخذ شكلاً يتجاوز المشاهدة إلى المشاركة.
وهنا تبرز إحدى الأفكار المركزية التي قام عليها المشروع: الفنان لا يقدم عملاً فنياً فقط، بل يستطيع أن يضع جزءاً من تجربته وإنتاجه في خدمة قضية إنسانية واجتماعية.
من سوريا إلى برلين.. الفن كمساحة للحوار
يحمل عنوان “جسور الضوء” دلالة تتصل مباشرة بفكرة المعرض. فالجسر هو انتقال بين ضفتين، والضوء هو ما يكشف الطريق ويجعل العبور ممكناً.
وفي سياق المعرض، يمكن قراءة هذه الفكرة باعتبارها محاولة لبناء جسور بين الفنان والمجتمع، وبين التجربة السورية والفضاء الثقافي الألماني، وبين العمل الفني وقيمته الإنسانية.
لم يسعَ المعرض إلى تقديم نموذج فني واحد، بل ترك للتعدد أن يكون جزءاً من هويته. 14 تجربة مختلفة اجتمعت في فضاء واحد، وتفاوتت في الأسلوب والخامة والتقنية، لكنها التقت حول فكرة أوسع: أن الفن يمكن أن يكون لغة للتواصل، ومساحة للتفاعل المجتمعي، ووسيلة للمساهمة الإنسانية.
وبذلك لم تكن «جسور الضوء» مجرد ثلاثة أيام من العرض الفني في برلين، بل تجربة حاولت أن تجعل من المعرض مساحة يلتقي فيها الفن بالمجتمع، ومن العمل الفني جسراً يمكن أن ينتقل عبره المعنى من الفنان إلى الجمهور، ومن الجمال إلى الفعل الإنساني.
![]()