سوريا 360 – وليد الزعل
بعد سقوط نظام الأسد، ومع تزايد عودة السوريين من دول اللجوء والإقامة إلى بلدهم الأم، بدأت تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة تستحق التوقف عندها: شخص يعود إلى بلده، ثم يبدأ في تقديم نفسه للآخرين من خلال عبارة تكاد تصبح هوية لازمة في بعض المقابلات والمقاطع: “أنا مغترب“.
في ظاهرها، لا تبدو العبارة غريبة، فمن الطبيعي أن يعرّف الإنسان عن نفسه بأنه عاش سنوات خارج بلده. لكن المشكلة تبدأ عندما لا تعود كلمة “مغترب” مجرد وصف لتجربة حياتية، وإنما تتحول إلى هوية طبقية واقتصادية يستخدمها صاحبها ليضع نفسه في مرتبة أعلى من أبناء مجتمعه الذين بقوا في الداخل.
وهم اجتماعي وهالة فارغة
قد يكون من يتحدث باستعلاء غير مباشر عن السوريين في الداخل شخصاً محدود الدخل في أوروبا، أو عاملاً بسيطاً في دول الخليج. ففي الغرب، يمكن أن يعيش في سكن متواضع، وأن يعتمد جزئياً أو كلياً، في مرحلة من حياته، على المساعدات الاجتماعية، لكنه مع ذلك يشعر بأنه ينتمي إلى مستوى اقتصادي واجتماعي أعلى من شخص يعيش في سوريا.
وربما ينتهج بعض الأشخاص، في سبيل الحصول على المال في دول الخليج، أساليب لا أخلاقية في بعض الأحيان، كما يحدث في بعض الحالات في الإمارات.
فالشخص المغترب قد لا يمتلك ثروة، لكنه يعيش داخل نظام اقتصادي أكثر قوة، بحيث يحصل على خدمات صحية أفضل، ووسائل نقل أكثر تنظيماً، وحماية اجتماعية، وكهرباء مستقرة، وخدمات عامة أكثر انتظاماً، وربما مساعدات اجتماعية في حال عدم امتلاكه دخلاً كافياً.
ومع مرور السنوات، يبدأ بعض الأشخاص في تحويل هذه البيئة التي يعيشون فيها إلى جزء من هويتهم الشخصية، فيصبح المعنى الضمني:
“أنا أعيش في أوروبا أو دول الخليج، إذن أنا في مستوى أعلى منكم”، حتى لو كان راتبه متواضعاً.
اقرأ أيضا: عودة 780 ألف سوري طوعيا منذ التحرير
أوروبا تتحول إلى “رأس مال اجتماعي”
الشخص الذي عاش في فرنسا أو ألمانيا أو السويد، وحتى في الإمارات، يمتلك تجربة لا يمتلكها كثيرون في الداخل. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه التجربة قابلة للعرض والاستثمار.
السيارة، والملابس، والهاتف، والسفر، وصور الشوارع الأوروبية، وحتى طريقة الحديث، كلها يمكن أن تتحول إلى إشارات تقول للآخرين: “أنا مختلف عنكم”.
لكن المفارقة أن هذه العلامات قد تكون أحياناً مجرد مظهر خارجي، فامتلاك هاتف حديث لا يعني امتلاك ثروة، والسكن في أوروبا لا يعني امتلاك منزل، والحصول على راتب باليورو لا يعني بالضرورة أن صاحبه ميسور الحال.
ومع ذلك، يستطيع الشخص أن يصنع حول نفسه هالة اقتصادية أكبر بكثير من وضعه الحقيقي، بل وقد يعتقد أنه هو من بنى الاقتصاد الأوروبي، عندما يبدأ بمقارنة الوضع المعيشي الصعب في سوريا مع وضع بلدان مرت عليها مئات السنين من التطور حتى أصبحت بهذه القوة الاقتصادية والتحضر ، وهنا تكمن خطورة الظاهرة.
وهم اجتماعي وانفصام في الهوية
في أوروبا، يمكن التمييز بين المهاجرين من خلال ملامحهم الخارجية، أو ما قد يراه الآخرون بوصفه انتماءً عرقياً أو إثنياً؛ فيُطلق على السوري والأردني والسعودي والليبي والمغربي، مثلاً، وصف “عربي”، بينما يُطلق على سكان دول القارة الأفريقية وصف “أفارقة”.
لكن المفاجأة كانت في إحدى المقابلات مع إحدى المغتربات اللواتي زرن سوريا حديثاً، عندما ادعت أن التجار يرفعون الأسعار عندما يرونها، ظناً منهم أنها سائحة، رغم أنها سورية عربية، ولا يمكن الالتباس في أصلها أو هويتها.
هنا انتقلت عبارة “أنا مغترب” إلى ما يشبه الانفصال عن الواقع؛ فقد ظنت هذه المغتربة أن وجودها في أوروبا قد غيّر شكلها، وأنها أصبحت تحمل صفات أوروبية تجعل التجار غير قادرين على تمييزها.
والأغرب أنها، في زيارتها إلى سوريا، تعتمد في إنفاقها على فرق القوة الشرائية بين العملة التي تحملها والليرة السورية، ثم تنظر إلى أبناء بلدها من موقع مختلف، وكأن سنوات الغربة قد جعلتها تنتمي إلى طبقة أخرى.
حين يفقد المغترب ذاكرته
يفقد بعض المغتربين السوريين، فور وصولهم إلى زيارة بلدهم الأم، جزءاً من ذاكرتهم؛ فيتناسون ما مروا به من صعوبات للوصول إلى بلد الاغتراب، ثم الحصول على الإقامة، وتعلّم اللغة الجديدة، والعمل في أي وظيفة ممكنة، وربما في أعمال لا تتناسب مع تحصيلهم العلمي أو خبراتهم السابقة، لكن حين يضعون أقدامهم على أرض الوطن، تبدأ الفوقية بالظهور تجاه أبناء بلدهم الذين بقوا صامدين لسنوات عجاف، وسط الاضطهاد والاقتصاد المدمر وتوقف عجلة الحياة منذ عام 2011، وحرب ودمار كانا ربما سيمنعان هذا المغترب من دخول سوريا مجدداً، لولا صمود الثائرين في وجه الطغاة وتحريرهم لسوريا من حكم عصابة الأسد، ومع ذلك، لا ينبغي أن نعمّم ، فهناك سوريون عاشوا في بلاد الاغتراب سنوات طويلة، ثم عادوا إلى سوريا وهم أكثر تواضعاً، وأكثر إدراكاً لصعوبة حياة الناس في الداخل.
بل إن بعضهم يحمل معه خبرات مهنية وإدارية وتقنية يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة في إعادة بناء البلد.
الغربة ليست شهادة تفوق على أبناء الوطن، والعيش في بلد أكثر تقدماً لا يجعل الإنسان أفضل من غيره، ما يحدد قيمة الإنسان ليس البلد الذي يعيش فيه، ولا العملة التي يتقاضى بها راتبه، ولا عدد السنوات التي قضاها خارج وطنه، وإنما ما يحمله من أخلاق وخبرة وقدرة على خدمة مجتمعه، فإذا كانت الغربة قد منحتك فرصة أفضل، فليكن أول ما تعيده إلى بلدك هو التواضع والخبرة، لا الشعور بالفوقية.