سوريا 360- حلب- أحمد زنكلو
تواجه المشافي الخاصة في مدينة حلب وريفها واقعاً معقداً تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية مع التحديات التنظيمية، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل واستمرار العمل وفق تعرفة طبية لم تعد تواكب المتغيرات الراهنة.
يأتي ذلك في وقت يشكل فيه هذا القطاع ركيزة أساسية في تقديم الخدمات الصحية، ما يضعه أمام استحقاقات متزايدة تتطلب مراجعة شاملة للسياسات الناظمة.
وفي تصريح خاص لـ”سوريا 360“، أكد الدكتور ”عرفان جعلوك”، المدير التنفيذي لجمعية المشافي الخاصة بحلب، أن نحو 60 مشفى خاصاً تعمل حاليا داخل المدينة، ضمن إمكانيات وصفها بالجيدة، وتقدم خدمات صحية بأسعار تعد مقبولة نسبياً قياساً بواقع السوق، رغم وجود بعض الحالات التي ترتفع فيها التكاليف لأسباب تتعلق بطبيعة الخدمات أو الموقع.
وأشار” جعلوك” إلى أن المشكلة الأبرز التي تواجه القطاع تتمثل في التعرفة الطبية، التي لم يطرأ عليها أي تعديل منذ نحو ثلاث سنوات، رغم الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار وكلفة المستلزمات الطبية والطاقة، ما خلق فجوة واضحة بين التكاليف الفعلية والأسعار المعتمدة رسمياً.
تعرفة غير واقعية
وأوضح المدير التنفيذي لجمعية المشافي الخاصة بحلب أن استمرار العمل بهذه التعرفة ”غير الواقعية” يدفع معظم المشافي إلى تجاوزها بشكل غير مباشر لتغطية نفقاتها، في ظل غياب حد أدنى عادل يراعي التكاليف الحقيقية، معتبراً أن هذا الوضع غير طبيعي وغير قابل للاستمرار.
ودعا إلى اعتماد آلية مرنة لتعديل التعرفة، بما يتناسب مع التغيرات الاقتصادية، من خلال التنسيق بين وزارة الصحة وجمعيتي المشافي الخاصة في حلب ودمشق.
وبيّن أن ارتفاع أسعار الكهرباء والمواد الطبية زاد من تعقيد المشهد، في وقت لم تعد فيه الإيرادات قادرة على موازاة هذه الزيادات، ما يهدد استمرارية بعض المنشآت الطبية، خاصة الصغيرة منها.
ورغم تراجع الاعتماد على المازوت نتيجة تحسن التغذية الكهربائية واعتماد الطاقة البديلة في بعض المشافي، إلا أن ذلك لم ينعكس بما يكفي لتخفيف الأعباء.
كما لفت “جعلوك” إلى أن المشافي الخاصة تؤمن ما يقارب 60% من الخدمات الصحية، ما يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، مقابل تحديات تتعلق بالضرائب وغياب الدعم الكافي، خاصة للمشافي التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية.

ثغرات تنظيمية وقانونية
إلى جانب ذلك، أشار” جعلوك” إلى أن العديد من القرارات التنظيمية الناظمة لعمل المشافي لا تزال بحاجة إلى تحديث، كونها صدرت في ظروف سابقة، ولم تعد تتناسب مع الواقع الحالي، رغم أهمية المرسوم الأساسي الصادر عام 1968. وأضاف أن هذه القرارات تتضمن إشكاليات تتعلق بتنظيم الاختصاصات الطبية وآليات العمل داخل المشافي، ما يستدعي إعادة النظر فيها بشكل شامل.
وتطرق إلى ملف توقيف الأطباء، واصفاً إياه بأنه من القضايا الحساسة، حيث تسجل حالات توقيف لفترات طويلة على خلفيات طبية قد تكون ضمن المضاعفات المحتملة، مؤكدا ضرورة اعتماد بدائل قانونية مثل الكفالات والغرامات، بدلاً من التوقيف المطول، بما يحقق التوازن بين حقوق المرضى وحماية الطواقم الطبية.
اقرأ أيضا: صحة حلب تناقش مع مديري المشافي تعزيز جودة الرعاية الطبية
كما شدد على أهمية إصدار قانون المسؤولية الطبية، الذي من شأنه تنظيم العلاقة بين الطبيب والمريض، وتحديد حالات الإهمال وآليات التعويض عبر شركات التأمين، مشيراً إلى أن هذا القانون مطبّق في عدد من الدول، فيما لا يزال قيد الانتظار محلياً.
وفي سياق متصل، يلفت المدير التنفيذي لجمعية المشافي الخاصة بحلب، إلى أن عدد الأسرّة في المشافي الخاصة ضمن محافظة حلب تجاوز في بعض التقديرات النسب العالمية قياساً بعدد السكان، وهو ما يعكس حالة توسع غير متوازن في القطاع الصحي.
ويحذر من أن هذا الارتفاع قد يؤدي إلى انخفاض نسب الإشغال وازدياد المنافسة بين المنشآت، الأمر الذي ينعكس سلباً على الاستدامة المالية وجودة الخدمات، لا سيما في المشافي الصغيرة التي تواجه تحديات أكبر في تغطية تكاليف التشغيل.

منافسة مرتفعة
من جهته، أوضح الدكتور ”تحسين مارتيني”، مدير جمعية المشافي الخاصة بحلب، في تصريح لـ”سوريا 360“، أن عدد المشافي الخاصة في محافظة حلب، بما فيها الريف، تجاوز 130 مشفى، بعد أن كان يقارب 105 قبل التحرير، مشيرا إلى أن التوسع في عدد المنشآت الطبية، خاصة في المناطق الريفية، جاء نتيجة دعم المنظمات خلال فترات سابقة.
وبيّن ”مارتيني” أن هذا التوسع، رغم أهميته في تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية، قد يؤدي إلى منافسة مرتفعة وانخفاض نسب الإشغال، ما ينعكس على كفاءة التشغيل وجودة الخدمات، خصوصاً في المشافي الصغيرة التي تواجه صعوبات أكبر في الاستمرار.
وأشار إلى أن واقع مشافي الريف يعد مقبولاً إلى حد ما، حيث تقدم خدمات لا بأس بها، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة في ما يتعلق بالإمكانات والتجهيزات.
وأضاف مدير جمعية المشافي الخاصة بحلب أن المشافي الحكومية تشهد بدورها محاولات تطوير وافتتاح منشآت جديدة، ما يزيد من حدة المنافسة داخل القطاع الصحي.
كما لفت إلى دور المشافي الخيرية في تقديم خدمات منخفضة التكلفة أو شبه مجانية للفئات الأكثر حاجة، معتبراً أنها تمثل جانباً مكملاً للمنظومة الصحية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن نظام صحي متكامل قائم على أسس اقتصادية وتنظيمية واضحة.
وأكد ”مارتيني” أن جمعية المشافي الخاصة تتابع بشكل مستمر قضايا القطاع، وتعمل على التنسيق مع الجهات المعنية بهدف تطوير القوانين وتحسين بيئة العمل، بما يضمن استمرارية تقديم الخدمات الصحية بجودة مناسبة وأسعار مقبولة.
وتبقى التحديات التي تواجه المشافي الخاصة في حلب مرتبطة بشكل وثيق بقدرة الجهات المعنية على إيجاد حلول عملية توازن بين متطلبات الاستدامة الاقتصادية وحق المواطنين في الحصول على خدمات صحية ميسّرة، في ظل واقع متغير يفرض إعادة النظر في العديد من السياسات القائمة.