سوريا 360 -زكي الدروبي
في يوم ربيعي غائم، كنت أراقب ميناء “مارهافن” منتظراً وصول السفينة الجديدة، متابعاً حركة العمال والحاويات والشاحنات، ظهر لعدة ثوانٍ على الطرف الآخر من النافذة أبو بريص (Gecko).
لم أكن أتوقع ظهور هذا الحيوان الزاحف في هذا المكان، فقد كنت في الطابق العاشر من السفينة “سيلا“، وكانت حيطانها زلقة، فهي بالنهاية سفينة ركاب، مدينة عائمة في البحر، وليست سفينة شحن مملوءة بالحديد.
بعد بحث بسيط، عرفت أن ملايين الشعيرات المجهرية (Setae) موجودة في باطن أطرافه الأربعة، وكل واحدة من هذه الشعيرات تنقسم في نهايتها إلى آلاف الفروع الأدق، والتي تسمى “الملعقيات” (Spatulae).
كما أن وجود هذه الملايين من الشعيرات يساهم في وجود “قوة تجاذب كهربائي”، وكأنها مغناطيس يستطيع حمل جسم الحيوان حتى وهو يسير باتجاه مقلوب على السقف.
تنتج هذه القوة بعد تجميع قوى جذب كهربائية خفيفة بسبب اقتراب الجزيئات بعضها من بعض، لمسافة شبه معدومة، دون أن تندمج أو تتبادل الإلكترونات (أي بدون تفاعل كيميائي أو صمغ)، وتسمى هذه القوى (قوى فان دير فالس).
ألهمت تقنيات اللصق التي يستخدمها “أبو بريص” العلماء لاستخدامها في تطوير عدة منتجات، كان منها قفازات حراس مرمى كرة القدم.
ليلة عاصفة
مساء الثلاثاء المنصرم، وفي داخل ملعب “إيه تي آند تي” المغلق والمكيّف في دالاس، كنا أمام معركة تكنولوجية مهمة، قادها مهندسو شركة رويش (Reusch) الألمانية العريقة والمتخصصة في صناعة قفازات حراسة المرمى ومعدات الرياضات الشتوية.
هنا رأى المتابعون لمباريات “الماتادور” أن الحارس الإسباني “أوناي سيمون” مجرد بشري خارق، استطاع صد عشرات التسديدات، ولم يستقبل سوى هدفين، ليقود بلاده إلى نهائي مونديال 2026، بينما رأيت أنا قلعة تكنولوجية فريدة، محمية ببراءات اختراع وأسرار تجارية، استلهمت من أسرار الطبيعة ما ساعدها على صناعة قفاز للحارس منحه أفضلية فيزيائية، وساعده على التقاط الكرة والحفاظ على شباكه نظيفة.
في القفاز، طبق المهندسون الدروس التي استلهموها من “أبو بريص”، فاحتوى باطنه على تصميم فيزيائي، ومواد كيميائية زادت من مساحة تلامسه الفعلي مع الكرة بشكل كبير جداً، وشعرت أن القفاز يحتوي مغناطيساً قوياً يمسك بكرة معدنية ويمنعها من الانفلات.
اقرأ أيضا: شركة فرنسية تتولى ملف تطوير طواقم “الرياضة”
قلعة تكنولوجية متحركة
يلبس “سيمون” في يديه قلاعاً تكنولوجية متحركة، فقد جمعت “رويش” عدة براءات اختراع وأسرار تجارية في القفازات التي يلبسها الحارس، منها براءة اختراع اللاتكس الهجين المتكيف، وهي تتعلق بمواد مختلفة في باطن القفاز على شكل حبيبات مجهرية زرقاء مخصصة للأجواء الرطبة، وحبيبات سوداء للأجواء الجافة، وقد عملت هذه التقنية على امتصاص الطاقة الحركية لدوران الكرة، وهو ما ظهر جلياً في لقطة إمساك سيمون لتسديدة عثمان ديمبلي المقوسة والقوية دون أن ترتد منه.
وبراءة اختراع خاصة بظهر القفازات، بحيث تكون مرنة وتستطيع حماية يدي الحارس عند لكم الكرات العرضية العنيفة وتشتيتها، مع إعطاء الأصابع مرونة حركة بزاوية 180 درجة دون أي مقاومة من نسيج القفاز.
وبراءة خاصة بكيفية تصميم أصابع القفاز بحيث تضمن التفاف نسيج اللاتكس اللزج حول أطراف الأصابع بالكامل. هذا التصميم يضمن أنه حتى لو لمس سيمون الكرة بأطراف أصابعه فقط أثناء انفراد كيليان مبابي الخطير، فإن الكرة ستصطدم بمادة عالية الاحتكاك بنسبة 100%، مما يمنع انزلاقها.
في الوقت الذي تحمي فيه براءات الاختراع العديدة التصاميم الهندسية التي يمكن كشفها من خلال الهندسة العكسية، تخفي الشركة أسراراً تجارية لا يمكن كشفها، تتعلق بالتركيبة الكيميائية وطريقة التحضير، كنسبة المزيج بين المطاط الطبيعي والمواد الكيميائية ودرجة حرارة وسرعة تحضير الرغوة وتبريدها للحصول على الملمس اللزج للقفازات. وتحمي الأسرار التجارية أيضاً كيفية تثبيت الحبيبات الملونة، بحيث تبقى فعالة وتقاوم التآكل بفضل الاحتكاك بعشب الملعب أو السقوط على الأرض، وطريقة دمج النسيج الذكي المسؤول عن تهوية يد الحارس، ومنع تعرقها، مع اللاتكس في غرزات دقيقة تمنع دخول ذرات الغبار التي قد تفسد تقنية “أبو بريص”.
تحفظ هذه الأسرار بدقة في خزائن الشركة وتحمى بشدة كما تحمي “كوكا كولا” سر خلطتها منذ أكثر من مئة عام.
في النهاية ما حصل لإسبانيا ليس مجرد توفيق وحسن حظ، أو محض مهارات لاعبين وذكاء مدرب، بل للعلم والتكنولوجيا هنا دور كبير وأساسي غير واضح أمامنا بشكل عام، فالقفاز الذي كان يرتديه “أوناي سيمون” يمثل قمة ما توصلت إليه هندسة المواد ومحاكاة الطبيعة، وبفضل هذه المنظومة من براءات الاختراع والأسرار التجارية، فإننا نستطيع أن نشبه يديه بيدي “الرجل العنكبوت”، أو يمكن أن نقول: الرجل ذو “الأيادي المغناطيسية”.