سوريا 360- الحسكة- محمد الحسون
أشعلت تصريحات محافظ الحسكة “نور الدين أحمد” موجة واسعة من الجدل، بعد وصفه معارضين لعودة بعض النازحين إلى “رأس العين” بأنهم “مستفيدون من الفوضى” و”عصابات” و”متورطون في تجارة المخدرات”، في خطاب أثار ردود فعل غاضبة وفتح الباب أمام سجال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعقد إجراءات أكثر القضايا حساسية في الحسكة وهي “النزوح والتهجير”.
وجاءت هذه التصريحات في سياق وقفة احتجاجية نفذها نازحون كرد من “رأس العين” أمام مبنى المحافظة، طالبوا خلالها بالعودة الآمنة إلى منازلهم، في ظل وعود رسمية بـ”تسريع الإجراءات” وتهيئة الظروف الفنية والأمنية، وعلى رأسها إزالة الألغام ومخلفات الحرب وإخلاء منازلهم من ساكنيها في حال كانت مسكونة وترميم المهجور منها.
محافظ الحسكة “نور الدين أحمد”، رداً على سؤال امرأة عن رأيه حول بيانات صادرة عن مجموعات من حي “غويران” ترفض عودة أنصار “قوات سوريا الديمقراطية”(قسد) إلى “رأس العين” قبل عودتهم إلى الحسكة، قال: إن هؤلاء “مستفيدون من الفوضى ويريدون إطالة أمد الأزمة”.
وأضاف أنهم “لا يريدون الاستقرار ولا عودة الأهالي إلى منازلهم”، كما وصفهم بأنهم “عصابات من المطلوبين” و”متورطون في تجارة المخدرات”، معتبراً أنهم “لا يمتلكون ضميراً ولا أخلاقا”، في تصريحات أثارت ردود فعل غاضبة بين أوساط المهجّرين ووسّعت دائرة الجدل حول ملف العودة.
وهكذا تحوّلت القضية من مواجهة كلامية مع النازحين ضمن الوقفة إلى مواجهة كلامية مع المهجرين في “رأس العين” من أهالي أحياء “النشوة وغويران والليلية والعزيزية” وغيرها من الأحياء العربية بمدينة الحسكة.
ردود غاضبة واتهامات مضادة
في المقابل، أصدر مهجرون من أبناء الحسكة المقيمين في رأس العين، حيث كانوا مقاتلين في “الجيش الوطني” بياناً مصوراً هاجموا فيه تصريحات المحافظ، معتبرين أنها “وصم جماعي” يطال فئات واسعة من المهجّرين.
وأكدوا أنهم ليسوا “عصابات” ولا “تجار مخدرات”، بل “أبناء الأرض” الذين هُجّروا قسراً، ويتمسكون بحقهم في العودة “بعزة وكرامة”.
البيان حمل أيضاً نبرة تصعيدية، إذ رفض أصحابه عودة أي طرف إلى “رأس العين” قبل عودتهم إلى الحسكة، في طرح يعكس عمق الانقسام المجتمعي، وربطاً واضحاً بين مساري العودة في المنطقتين، بقدر ما يعكس تسليم الحكومة مصير “أنصار الثورة السورية” من أهالي الحسكة بيد مسؤولين من “قسد”.
التصريحات والاندماج
اعتبر السياسي الكردي “عبد العزيز تمو“، من رابطة المستقلين الكردية أن تصريحات محافظ الحسكة التي وصف فيها معارضين لعودة بعض النازحين بأنهم “إرهابيون” و”تجار مخدرات” تعكس “فشل مسار الاندماج”، داعياً إلى إعادة تنظيم ملف العودة تحت إشراف الدولة.
وأضاف “تمو”، في بيان موجه إلى الوفد الرئاسي المكلف بعملية اندماج “قسد”، أن مئات الآلاف من أبناء محافظة الحسكة، عرباً وكرداً، ما زالوا مهجّرين منذ سنوات داخل سوريا وخارجها، مطالباً بتأمين عودتهم “بقوافل رسمية مرفقة بقوات من الأمن العام”، بما يضمن سلامتهم ويحقق مبدأ المعاملة بالمثل.
وأشار إلى أنه هُجّر من مدينة “الدرباسية” عام 2012، معتبراً أن الظروف باتت تستدعي “عودة كريمة” إلى المنازل والقرى، في ظل استمرار التوترات الأمنية في المنطقة.
وانتقد “تمو” بشدة تصريحات المحافظ، معتبراً أنها “تسيء إلى فئات واسعة من المهجّرين”، محذراً من أن هذا الخطاب قد يهدد السلم الأهلي ويزيد من تعقيد جهود الاستقرار.
ودعا إلى أن تتولى الدولة بشكل مباشر “إنفاذ القانون” ومعالجة ملف المجموعات المسلحة، معتبراً أن ذلك يشكل مدخلاً ضرورياً لإعادة الاستقرار في محافظة الحسكة.
![]()
صورة نشرتها المحافظة خلال اجابة المحافظ على سؤال السيدة – الأحد الماضي
اقرأ أيضا: قائمة بـ14 ألف عائلة مهجرة للعودة إلى رأس العين
حرب كلامية وإعلامية
تُظهر هذه التطورات أن ملف العودة في الحسكة لا يرتبط بإزالة الألغام أو تأمين الخدمات كما يتحجج أعضاء الفريق الرئاسي، بل باعتبارات أمنية وسياسية معقّدة، تتداخل فيها حسابات السيطرة والنفوذ مع مطالب السكان والمهجرين والنازحين.
ففي لقاءات سابقة مع وفد الاندماج خلال شهر حزيران/يونيو المنصرم، عبّر ممثلون عن المهجّرين برأس العين عن استعدادهم للعودة إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، لكن بشروط، أبرزها غياب بعض التشكيلات المسلحة التابعة لـ “قسد”، وإعادة دمج أبناء مناطقهم ضمن مؤسسات الدولة الأمنية، في محاولة لضمان حد أدنى من الأمان، وهذا ما تطالب به العائلات الكردية من نازحي “رأس العين” بالتحديد، والذين معظمهم من السكان العرب بعضهم لن يستطيع العودة حتى تنسحب “قسد” من خطوط الاشتباك الممتدة من قرية “ليلان” جنوبا حتى الحدود مع تركيا مرورا بقرى “مجيبرة و العبوش و الورد والشيخ علي وتل محمد…الخ” إضافة إلى بلدة “أبو رأسين ومحيطها، فالانسحاب وحده يسمح بتنظيف قراهم من الألغام ثم ترميمها بعد تعرضها للدمار نتيجة المعارك والحرائق والتعفيش.
رغم تأكيدات محافظة الحسكة و”الوفد الرئاسي” على استمرار العمل لتأمين عودة “آمنة وكريمة”، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الطريق لا يزال طويلاً، بسبب الشعور بأن المحافظ يمثل فئة محددة ولا يمثل جميع سكان المحافظة بدليل التصريحات الأخيرة، فالقضية تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الخطاب الاتهامي، وتؤسس لبيئة ثقة حقيقية بين جميع الأطراف.
ويعود هذا التصعيد إلى سياق أوسع من التوتر المرتبط بمسار “الاندماج” وملف العودة، حيث كشفت لقاءات سابقة بين مسؤولين حكوميين وممثلين عن المهجّرين في “رأس العين” عن فجوة عميقة في الثقة، ففي اجتماع عُقد في نيسان/أبريل، عبّر “رائد عبد السلام العلي”، وهو أحد المهجّرين من ريف القامشلي، عن رفضه العودة دون “نزع سلاح حزب الاتحاد الديمقراطي” وضمان “العودة بعزة وكرامة”، محذراً من أن الحسكة “قنبلة موقوتة” في ظل تعيين شخصيات متهمة بالفساد.
كان عضو الفريق الرئاسي المكلف بملف الاندماج “مصطفى عبدي” – وقتها – يقدم صورة أكثر تفاؤلاً، مؤكداً أن العملية “تسير بوتيرة جيدة” وأن خطوات عملية أُنجزت في إعادة هيكلة المؤسسات ودمج عناصر أمنية، إضافة إلى خطط لإعادة 12 ألف عائلة من أهل “رأس العين” إلى قراهم بعد إجراء التجهيزات التي تتضمن فتح الطرق ونزع الألغام، وهذا ما ردده الناطق باسم الفريق الرئاسي المشرف على الاندماج مرارا وكان من المقرر أن تبدأ هذه العودة خلال عطلة عيد الفطر الماضي.
هذا التباين بين رواية رسمية تتحدث عن تقدم، وأخرى محلية تشكك في الضمانات لأن “قسد” و”آساييش” حزب “الاتحاد الديمقراطي” مازالت تسيطر على مركز المحافظة والأحياء العربية بالقامشلي إلى جانب القرى جنوبها، يفسر جانباً من الاحتقان الذي انفجر مع تصريحات محافظ الحسكة الأخيرة عن شباب المدينة الذين كانوا منخرطين في الثورة ضد نظام بشار الأسد.