سوريا 360 – دمشق- سامر المقداد
تشكل زيارة الرئيس الفرنسي “ايمانويل ماكرون” إلى دمشق محطة مفصلية في مسار العلاقات الفرنسية السورية، بعد سنوات من القطيعة.
وتأتي الزيارة في ظل تحولات إقليمية ودولية دفعت باريس إلى إعادة النظر في مقاربتها للملف السوري، بالتزامن مع سعي سوريا إلى توسيع انفتاحها على المجتمع الدولي وجذب الاستثمارات.
ويرى مراقبون أن الزيارة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية تتجاوز طابعها البروتوكولي، وقد تمهد لمرحلة جديدة من التعاون بين الجانبين، وتفتح الباب أمام حضور أوروبي أوسع في سوريا خلال المرحلة المقبلة.
قال الصحفي ومدير قسم الأبحاث في المركز السوري لدراسات الرأي العام (مدى)، “أحمد مراد” لمنصة “سوريا 360“، إن زيارة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى سوريا تمثل محطة تاريخية في مسار العلاقات بين باريس ودمشق، وتعكس تحولات سياسية واقتصادية فرضتها المتغيرات الإقليمية والدولية.
وأوضح أن جذور هذه المرحلة تعود إلى السابع من مايو/أيار 2025، عندما زار الرئيس السوري “أحمد الشرع” العاصمة الفرنسية باريس، حيث التقى الرئيس الفرنسي “ايمانويل ماكرون” في قصر “الاليزيه“.
وأشار “مراد” إلى أن الاستقبال جرى وفق البروتوكولات المعتادة لكبار الشخصيات، إذ رحب “ماكرون” بالرئيس “الشرع” والتقطت الصور التذكارية أمام وسائل الإعلام، إلا أن تلك الأجواء أخفت نقاشات حادة جرت خلف الأبواب المغلقة.
وأضاف أنه، بصفته صحفياً، انتقل من ساحة الاستقبال إلى قاعة المؤتمر الصحفي، ولاحظ خروج الوفد المرافق للرئيس “الشرع”، بينما بقي الرئيس السوري برفقة وزير الخارجية “أسعد الشيباني” والرئيس الفرنسي لمدة 45 دقيقة إضافية، ما أدى إلى تأخير المؤتمر الصحفي عن موعده. وعند خروجه، بدا “الشيباني”، محتفظاً بابتسامته المعتادة، في حين ظهرت على ملامح الرئيس “الشرع” علامات انزعاج واضحة خلال توجهه إلى المؤتمر الصحفي برفقة “ماكرون”.
من شيراك إلى ماكرون
ويرى “مراد” أن خطاب “ماكرون” آنذاك لم يكن بعيداً عن نهج الرؤساء الفرنسيين السابقين الذين قدموا أنفسهم بوابة لعبور السياسة السورية نحو المجتمع الدولي. فقد احتضن الرئيس الراحل “جاك شيراك” المخلوع “بشار الأسد“، وكان الرئيس الأوروبي الوحيد الذي حضر جنازة والده عام 2000، وساهم في تقديمه للمجتمع الدولي كرئيس شاب، رغم ما ارتبط بعائلة “الأسد” من ملفات تتعلق باغتيالات شخصيات فرنسية ومقربين منها، قبل أن تنتهي تلك العلاقة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني “رفيق الحريري“.
كما سار الرئيس “فرانسوا هولاند” على نهج القطيعة مع النظام المخلوع، خاصة بعد استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة عام 2013، بينما أنهى “نيكولا ساركوزي” تلك القطيعة مؤقتاً عندما دعا “الأسد” لحضور احتفالات العيد الوطني الفرنسي في 14 يوليو/تموز 2008، في محاولة لإعادة فتح أبواب المجتمع الدولي أمامه.
وبحسب مدير قسم الأبحاث في المركز السوري لدراسات الرأي العام (مدى)، حمل لقاء السابع من مايو/أيار 2025 عنواناً عريضاً مفاده أن “فرنسا تفتح أبواب السياسة الدولية أمام السلطة الانتقالية الجديدة”، إلا أن أجواء المؤتمر الصحفي أظهرت اختلافاً في مضمون الرسائل، إذ تحدث “ماكرون” بلغة وصفها بالوصائية، داعياً الدولة السورية إلى احترام شعبها، ومؤكداً استمرار حماية شركاء فرنسا في شمال شرق سوريا حتى من الدولة نفسها، بينما رد الرئيس “الشرع” بأن القرار السوري يصنع في دمشق وليس في العواصم الأوروبية.
اقرأ أيضا: ماذا تخفي زيارة ماكرون لسوريا؟
وأضاف أن فرنسا أدركت لاحقاً ضرورة اعتماد آليات جديدة في التعامل مع الملف السوري، لكنها فضلت مواصلة التنسيق مع حلفائها في “قوات سوريا الديمقراطية“، في وقت اتسمت فيه العلاقات مع الحكومة المركزية في دمشق بالفتور، بينما اتجهت دمشق إلى تعزيز انفتاحها عبر السعودية وقطر وتركيا، وهو ما تُرجم بلقاءات الرئيس “الشرع” مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في السعودية والبيت الأبيض، وزيارته ألمانيا، إلى جانب رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع تلك الدول.
وأشار إلى أن الحضور الفرنسي اقتصر خلال تلك الفترة على استضافة لقاءات جمعت مفاوضين سوريين وإسرائيليين برعاية فرنسية أمريكية في باريس، إلى أن تم توقيع الاتفاق النهائي لدمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن قوات وزارة الدفاع السورية، وهو ما رحبت به باريس، إلا أن هذا الترحيب، وفق تعبيره، كان “بطعم الخيبة والحسرة”.
متغيرات جديدة
ويرى الباحث السوري، أن التحولات الإقليمية والدولية دفعت فرنسا إلى إعادة تقييم موقفها، خاصة بعد انقطاع إمدادات الطاقة عن أوروبا نتيجة إغلاق مضيق “هرمز“، وتصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشأن دور سوريا في ملف “حزب الله“، وطرح سوريا ممراً برياً لإمدادات الطاقة نحو أوروبا.
وقال إن باريس أدركت ضرورة التحرك سريعاً لإعادة بناء العلاقات وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية والسياسية في سوريا، التي تشهد مرحلة إعادة بناء اقتصادي، ولذلك جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق كأول زعيم أوروبي يزور البلاد، برفقة وفد اقتصادي يضم كبرى الشركات العاملة في مجالات الطاقة والشحن والأمن والطيران.
وأضاف أنه رغم ارتباط جولة “ماكرون” الإقليمية بحضور قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، فإن رمزية زيارته إلى دمشق وطبيعة الوفد المرافق تؤكدان حدوث تحول في شكل العلاقة بين باريس ودمشق.
وأشار إلى أن هناك خلافات أوروبية أمريكية بشأن عدد من الملفات، في حين تتبنى سوريا سياسة الحياد والانفتاح على الجميع، كما أكد الرئيس “أحمد الشرع” في أكثر من مناسبة. كما أن سوريا تحتاج في هذه المرحلة إلى تحقيق نمو وانتعاش اقتصادي، فيما يقدم الفرنسيون أنفسهم بوصفهم شركاء واستشاريين في ملفات متعددة، من بينها الأمن والطيران.
وأضاف أن الملف اللبناني سيكون حاضراً على الأرجح خلال مباحثات الرئيسين، إذ من المتوقع أن يطلب “ماكرون” من الرئيس “الشرع” توضيحات ومحددات أساسية بشأن طبيعة العلاقة مع لبنان، إلى جانب بحث الملفات الاقتصادية، ولا سيما أن فرنسا لا ترغب في خسارة حصتها من قطاع النفط السوري، بعدما كانت تسيطر على جزء منه عبر حليفتها “قسد”.
وتابع “مراد”، إن زيارة “ماكرون” تعد تاريخية، كونها الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2008، كما أنه أول رئيس لدولة أوروبية من مجموعة السبع (G7) يزور دمشق. ورغم قصر الزيارة، فإن أهميتها المعنوية كبيرة، خاصة أنها تأتي بعد زيارة الرئيس “الشرع” إلى فرنسا، التي شكلت آنذاك بوابة العواصم دخول دمشق إلى العواصم الأوروبية.
واعتبر أن هذه الزيارة قد تمهد الطريق أمام قادة أوروبيين آخرين لزيارة سوريا وإبرام اتفاقيات اقتصادية، كما تحمل رسالة إلى الدول الأوروبية بأن سوريا باتت مستقرة، وأن بيئة الاستثمار فيها أصبحت مناسبة،
قبل أن يطرح تساؤلات حول شكل العلاقة المقبلة بين دمشق وباريس، ومدى تأثير العلاقات السورية التركية الأمريكية عليها، وما إذا كان الملف اللبناني سيحضر بقوة على طاولة المباحثات، وصولاً إلى السؤال الأهم: هل أدركت فرنسا أن الطريق إلى دمشق قد تغير؟