سوريا 360 – وليد الزعل
يركز معظم المحللين السياسيين عند الحديث عن زيارة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى سوريا على عناوين عريضة مثل إعادة العلاقات السورية الفرنسية، والمساهمة في إعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار لكن بين كل ذلك تبرز أبعاد جيوسياسية وأمنية تتجاوز هذه العناوين.
مواجهة عسكرية مباشرة
تستعد أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا، لاحتمال تصاعد المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا_ ليس على المدى القريب_ ويرى الأوروبيون أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة، ويستند هذا الطرح إلى الاعتقاد بأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا لم تمنع استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، وإنما كانت خديعة لروسيا لكسب مزيد من الوقت من أجل توريد السلاح الاستراتيجي لاوكرانيا، الأمر الذي أدى إلى نقل الصراع إلى العمق الروسي واستهداف منشآت الطاقة الروسية وحول روسيا من دولة منتجة للنفط إلى دولة تعاني من أزمة وقود دفعها لاستيراد البانزين من الهند.
وبناء على تغير مسار الحرب بين روسيا وأوكرانيا واكتشاف الروس للخديعة الأمريكية ظهر الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” مرتديا البدلة العسكرية في رمزية على الانتقال من مرحلة التفاوض السياسي لمرحلة الحرب الشاملة، كما صرح قائد العمليات الروسية بتلقيه أوامر من “بوتين” بالبدء بوضع خطة عسكرية لاجتياح “كييف” عبر الحدود البلاروسية التي بدأت بالفعل تحشد عسكريا على حدودها مع أوكرانيا.
القاعدة الروسية محور أساسي في الزيارة
من باب تعزيز روسيا لقدراتها العسكرية والمواقع المهمة لها في المرحلة القادمة، تُعتبر القاعدة العسكرية الروسية في سوريا عاملاً مؤثراً في أي مواجهة مستقبلية، إذ يُعتقد بأنها قد توفر لروسيا نقطة ارتكاز في الشرق المتوسط، سواء لدعم عملياتها العسكرية أو لتقديم الدعم لحلفائها الإقليميين من بينهم مليشيا حزب الله الذي ستعمل روسيا على تزويده بالمسيرات والصواريخ التي ستستهدف الاسطول الأوروبي في البحر المتوسط في حال نشوب المواجهة المباشرة.
اقرأ أيضا: ماكرون يؤجل جلسة مجلس الشعب السوري
لذلك، فإن فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي تسعى إلى الحد من أي دور قد تؤديه هذه القاعدة في حال توسع الصراع ولكسب ود الحكومة الجديدة في سوريا للحد من هذا الدور تخلت فرنسا عن دعمها للمليشيات الكردية “قسد” وتوجهت نحو الحكومة في دمشق كون “قسد” ستكون عاجزة عن إحداث أي فرق اساسي في حال نشوب الحرب المباشرة مع روسيا في حين ستكون حكومة دمشق هي الحليف الفعال والأقوى لاحداث هذا الفرق.
مسارات جديدة لتوريد الطاقة لأوروبا
تسعى فرنسا لتأمين مسارات توريد جديدة للطاقة لأوروبا عبر سوريا، وخصيصا بعد ارتفاع أسعار النفط في العالم جراء الحرب الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق “هرمز” ففي حال احتمال دخول إيران الحرب إلى جانب روسيا وإمكانية إغلاق المضيق من جديد، وهو ما قد يضعف الإتحاد الأوربي في المواجهة مع الروس، هنا تُطرح الأراضي السورية كأحد الخيارات المحتملة لمرور خطوط نقل الطاقة نحو أوروبا، وهو ما يجعل استقرار سوريا وتأمينها جزءاً من المصالح الاستراتيجية الأوروبية.
وعليه فإن فرنسا ستطلب من حكومة الشرع الموافقة على بناء قاعدة فرنسية عسكرية في المنطقة تحت مسمى قاعدة عسكرية تتبع للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، ولذلك ممكن أن نرى تحركات جديدة لتنظيم “الدولة” في سوريا ستكون ذريعة مباشرة لإقامة هذه القاعدة العسكرية، في المقابل ستقوم فرنسا ومن خلفها الاتحاد الأوروبي بدعم مشروعات الطاقة في سوريا وإعادة إعمار جزئية هناك.
وبناءً على ذلك، نخلص بأن زيارة الرئيس “ماكرون” لا تُفهم فقط في إطار العلاقات الثنائية أو إعادة الإعمار، وإنما أيضاً ضمن سياق استعدادات جيوسياسية أوسع تتعلق بأمن الطاقة واحتمالات التصعيد العسكري مع روسيا.