سوريا 360 – سامر المقداد
تشهد سوريا حراكاً استثمارياً وعمرانياً متزايداً يُنظر إليه بوصفه أحد المؤشرات المهمة على بدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار بعد سنوات طويلة من الحرب التي شنها المخلوع على الشعب السوري. وفي ظل الإعلان عن مشاريع سكنية وتنموية جديدة، تتباين الآراء بين من يرى فيها فرصة لتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل وتعزيز التنمية، وبين من يؤكد ضرورة تنظيم السوق العقارية وضمان العدالة السكنية لتلبية احتياجات مختلف الشرائح الاجتماعية.
أكد “يامن الصالح“، المدير التنفيذي لشركة “تيرا” للتسويق العقاري، أن المشروعات الاستثمارية والعقارية التي تشهدها سوريا في المرحلة الحالية تمثل خطوة مهمة على طريق التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، مشيراً إلى أن آثارها تتجاوز إنشاء الوحدات السكنية لتشمل تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل واسعة في قطاعات متعددة.
وقال “الصالح” في تصريح لمنصة “سوريا 360” إن مشروعات كـ”أبيات هيلز” وغيرها من المشروعات العقارية والتنموية تسهم في تنشيط قطاعات الإنشاءات والصناعة والخدمات، كما تعزز من تدفق رؤوس الأموال إلى السوق السورية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على ثقة المستثمرين المحليين والإقليميين بالاقتصاد الوطني.
وأوضح أن هذه المشروعات من المتوقع أن تدعم الصناعات المرتبطة بالبناء والتطوير العقاري، وتسهم في تحسين البنية التحتية والخدمات العامة في المناطق المستهدفة، إلى جانب دعم الإيرادات العامة وخلق أثر اقتصادي مضاعف تستفيد منه شرائح واسعة من المجتمع والقطاعات الإنتاجية المختلفة.
وأضاف أن استمرار تحسين بيئة الاستثمار وتطوير الأطر التنظيمية المناسبة من شأنه أن يجعل هذه المشروعات ركيزة أساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وجذب المزيد من الاستثمارات النوعية خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضا: نحو 1.1 مليار دولار.. حصيلة الحملات المحلية لدعم اعمار سوريا
تنظيم السوق
وحذر “الصالح”، من تحديات قد تواجه القطاع العقاري السوري رغم التوقعات بحدوث طفرة كبيرة في الطلب على السكن واتساع النشاط العمراني في مختلف المحافظات.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد نمواً ملحوظاً في مشروعات البناء والتطوير، إلا أن غياب التنظيم والرقابة قد يفتح الباب أمام مشكلات كبيرة، خاصة مع دخول شركات تفتقر إلى الخبرة أو الملاءة المالية الكافية وتعتمد بشكل كامل على الدفعات المسبقة من العملاء لتمويل مشروعاتها.
وأكد أن حماية السوق العقارية تتطلب وضع آليات واضحة لتصنيف الشركات بحسب قدراتها المالية وسجل إنجازاتها، بحيث يتم تحديد حجم المشروعات المسموح لكل شركة بتنفيذها وفقاً لإمكاناتها الحقيقية.
كما دعا إلى سن تشريعات واضحة تحدد مواعيد تسليم المشروعات وتفرض غرامات على حالات التأخير غير المبرر، إضافة إلى تأسيس صناديق استثمارية عقارية داخل سوريا لتوفير السيولة اللازمة للمشاريع عبر نظام الشراكة في الأرباح بدلاً من الاعتماد على الفوائد الربوية.

وشدد “الصالح” على أهمية أن تضطلع الحكومة، من خلال جهة رسمية تتبع لوزارة الإسكان، بدور الضامن للمشروعات العقارية، بحيث يتم نقل أي مشروع متعثر أو متأخر عن الجدول الزمني المتفق عليه إلى شركات أخرى قادرة على استكماله وحماية حقوق المستثمرين والمشترين.
وفي ختام حديثه، وجه “الصالح” نصيحة لأصحاب الأراضي بعدم التسرع في قبول العروض الاستثمارية المغرية، داعياً إلى دراسة الشريك المحتمل والتأكد من خبرته وقدرته المالية قبل توقيع أي اتفاق، مؤكداً أن الطفرة العقارية المرتقبة يمكن أن تشكل نقطة تحول إيجابية في مسار إعادة الإعمار إذا أُديرت وفق أسس مهنية وتنظيمية سليمة، أو أن تتحول إلى عبء جديد إذا ساد الارتجال وضعف الرقابة.
رسالة تفاؤل
“مريم المسالمة” رأت أن “الإعلان عن مشروعات سكنية جديدة في دمشق خطوة إيجابية وضرورية في هذه المرحلة، لأنها تأتي ضمن مسار إعادة الإعمار بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب التي أثرت على مختلف القطاعات”، موضحة لـ”سوريا 360″ أن “قطاع البناء قادر على تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل لآلاف العمال والمهندسين والحرفيين، كما أنه ينعكس على قطاعات أخرى مرتبطة به. لذلك أعتقد أن إطلاق هذه المشروعات يبعث برسالة تفاؤل حول بدء مرحلة جديدة من التنمية والاستقرار وإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية”.
كما يرى “محمد المحمد” أن هذه المشروعات “ليست ضرورية فقط، بل تمثل حاجة ملحة كان لا بد منها منذ سنوات. خلال فترة الحرب توقفت حركة البناء بشكل كبير، ما تسبب بتراجع المعروض السكني مقابل زيادة الطلب. وبعد انتهاء الحرب وعودة قسم من اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، ظهرت الأزمة بشكل واضح من خلال الارتفاع الكبير في أسعار العقارات والإيجارات”.
وقال لـ”سوريا 360″: “الجميع شاهد هذه المشكلة وعانى منها بشكل أو بآخر، ولذلك فإن زيادة المشروعات السكنية اليوم تعد خطوة أساسية للمساهمة في معالجة الاختلال القائم في السوق”.
اقرأ أيضا: فتح الخرائط العقارية لإعادة تقييم القيمة الرائجة للعقارات
*العدالة السكنية
الباحثة الاجتماعية “ميسم البردان” قالت لـ”سوريا 360″، إنه “رغم أهمية أي مشروع سكني جديد ودوره في تنشيط قطاع البناء وتحريك الاقتصاد، إلا أنني أرى أن هذه المشروعات لا تستهدف الشريحة الأوسع من الشباب السوري. فالمعلومات المتداولة حول الأسعار تشير إلى أنها موجهة بالدرجة الأولى لأصحاب الدخل المرتفع والطبقة المقتدرة القادرة على شراء شقق قد تتجاوز قيمتها مئة ألف دولار.
وأضافت “أما الشباب المقبلون على الزواج أو الراغبون في تأسيس أسر جديدة، فهم يواجهون أصلاً صعوبات كبيرة في تأمين السكن بسبب ضعف القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار مقارنة بمستويات الدخل. لذلك فإن المشكلة ليست في وجود مشروعات سكنية فقط، بل في مدى قدرتها على تلبية احتياجات الفئات المتوسطة والمحدودة الدخل. ما نحتاجه اليوم هو مشروعات توفر خيارات سكنية بأسعار معقولة وتمويل ميسر يتيح للشباب فرصة حقيقية للتملك والاستقرار”.
بدوره اعتبر المهندس “عبد الوحيد المقداد” أن “الإعلان عن مشروعات سكنية جديدة في دمشق يمثل خطوة مهمة من الناحية الهندسية والعمرانية، خاصة بعد سنوات طويلة شهدت تراجعا كبيرا في حركة البناء والتطوير العقاري بسبب ظروف الحرب”.
وقال لـ”سورريا360″، إن “الحاجة اليوم لا تقتصر على زيادة عدد الوحدات السكنية فقط، بل تشمل أيضا إنشاء مجتمعات سكنية متكاملة تتوافر فيها البنية التحتية والخدمات الأساسية من طرق وشبكات مياه وكهرباء وصرف صحي ومساحات خضراء ومرافق تعليمية وصحية.
من المهم أن تعتمد هذه المشروعات معايير حديثة في التصميم والتنفيذ بما يضمن الجودة والاستدامة والسلامة الإنشائية على المدى الطويل”.
وأضاف أن “قطاع الإنشاءات يعد من أكثر القطاعات قدرة على تحريك الاقتصاد، لأنه يرتبط بعشرات المهن والصناعات الأخرى، من مواد البناء إلى الخدمات الهندسية والفنية. لذلك فإن نجاح هذه المشروعات سينعكس إيجاباً على سوق العمل والاستثمار والتنمية العمرانية. لكن في الوقت نفسه، يجب أن تراعي الخطط المستقبلية مختلف الشرائح الاجتماعية وأن تتضمن خيارات سكنية متنوعة تلبي احتياجات المواطنين وقدراتهم المالية، بما يحقق فائدة أوسع للمجتمع”.