سوريا 360- محمد حسون
بعد ثلاثة أشهر على تسلم الحكومة مستشفى “رأس العين” الوطني شمال الحسكة مازال القطاع الصحي في المنطقة يواجه تدهوراً حاداً في مستوى الخدمات بالمستشفى الوطني، وسط تأخر صرف رواتب العاملين وتصاعد الشكاوى من نقص الكوادر وغياب الأطباء، بحسب مصادر طبية وشهادات سكان.
داخل المستشفى الوطني، الذي كان يُفترض أن يشكل العمود الفقري للرعاية الصحية لنحو ربع مليون من السكان، تتكشف ملامح انهيار تدريجي: غياب الأطباء، نقص التجهيزات، وتحوّل المرضى إلى زبائن محتملين لقطاع خاص يتوسع على حساب القطاع العام.
رواتب متأخرة
وفي السادس من حزيران يونيو الجاري نظم كادر المستشفى وقفة احتجاجية لموظفي وأطباء مستشفى “رأس العين” لمطالبة الحكومة بمستحقاتهم المالية المتأخرة منذ أربعة أشهر، وكانت مديرية صحة الحسكة في 12 مايو/أيار قالت إن تأخر صرف رواتب العاملين في القطاع الصحي يعود إلى إجراءات مالية وإدارية مرتبطة بنقل موازنات القطاع إلى الإدارة المركزية في وزارة الصحة، ما استدعى استكمال موافقات رسمية بين وزارتي الصحة والمالية.
وأضافت أن أوامر الصرف كانت منجزة سابقًا، إلا أن عملية نقل المخصصات والإجراءات القانونية المرتبطة بها تسببت في التأخير خلال الأشهر الماضية، مشيرة إلى أن وزارة الصحة تابعت الملف رسميًا مع وزارة المالية لاستكمال نقل الاعتمادات وإصدار الموافقات اللازمة، فيما يجري انتظار القرار النهائي لصرف الرواتب.
ولمعالجة النقص بالكوادر، طالبت مديرية الصحة بالحسكة 5 صيادلة وممرضا بمراجعة مديرية صحة الحسكة وفي العاشر من أيار مايو الماضي لاستكمال إجراءات التعاقد معهم لصالح مستشفى “رأس العي، لكنهم لم يداوموا، ورغم كل شيء أصدرت في الرابع من حزيران الجاري قرارا بتعيين الدكتور “عبدالله العثمان” رئيساً للمنطقة الصحية في “رأس العين”، وقالت إن هذا التعيين يأتي في إطار متابعة العمل الصحي والإداري في المنطقة، وتعزيز الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين ضمن المؤسسات الصحية التابعة للمديرية، وكان “العثمان”، هو المكلف بإدارة المستشفى منذ آذار مارس الماضي، حين بدأت جودة خدماته بالتراجع حتى توقفت بشكل شبه كامل حاليا.
وخلال عمليات استلام المنطقة من “الأتراك” في آذار مارس الماضي، ذكرت وزارة الصحة أن مشفى “رأس العين” الوطني، منشأة طبية بسعة 200 سرير، يضم خمسة أقسام رئيسية تشمل الأطفال والباطنية والنسائية وغسيل الكلى والحواضن، إضافة إلى خمس غرف عمليات بينها أربع جراحية وغرفة واحدة مخصصة للنسائية، ويقدّم خدمات طبية متخصّصة لسكان المنطقة، ثم كلفت “العثمان” وفريقه بإدارته منذ آذار مارس الماضي قبل التثبيت مؤخرا بقرارات رسمية.
يأتي ذلك رغم تراجع الخدمات في المستشفى إلى درجة وصفها مصدر طبي في المستشفى بأنها ترقى إلى إهمال طبي جسيم للمرضى، هذا عدا عن التسيب بالدوام وعدم الاستجابة لطلبات المراجعين بحجة عدم دفع الرواتب.
وحسب مصدر من المشفى، فالأطباء والإداريون أكثر المقصرين بالدوام بسبب تأخر الرواتب رغم أنهم يعملون مع منظمات إنسانية توفر اللقاحات الروتينية أو مع المنظمات التي تدعم الأقسام النسائية هذا عدا عن امتلاكهم عيادات خاصة إضافة للعمل في مجمع صحي خاص تديره إدارة المشفى الوطني ذاتها.

اقرأ أيضا: وفاة طفل في مشفى تلكلخ في ظروف غامضة
توجيه المرضى لمجمع الخاص
تقول السيدة “أم إبراهيم” إنها وصلت إلى قسم الإسعاف وهي تحمل طفلها (إبراهيم) في حالة صحية صعبة يستفرغ أي شيء يأكله على مدى يومين كنت خلالها اراجع الصيدلية في قرية “تل ذياب” في المرة الثالثة نصحني الصيدلي بالإسراع بنقله للمستشفى فتوجهت إلى هناك، لكنها لم تجد طبيبًا عند الدخول، بل اقتصر وجود الكادر على ممرضين فقط.
وتضيف السيدة لـ”سوريا 360“: “دخلت إلى قسم الإسعاف، كان هناك موظف يسجل الأسماء، ولم يسجل الاسم بسبب الحالة الحرجة، فطلب مني الإسراع بالدخول لقسم الإسعاف، حيث استقبلنا ممرض وممرضة اقتصرت الإجراءات أولية قام بها الممرضون على إعطاء الطفل إجراء صورة للبطن بعد القسطرة، قبل أن يُطلب منها التوجه إلى مركز طبي خاص قرب دوار “الجوزة” وسط “رأس العين” مقابل الاستراحة، للعثور على الطبيبة “روعة” التي تداوم هناك مع أطباء مختصين.
وتتابع أم إبراهيم: “قالوا لي اذهبي إلى هذا المركز الجديد، ربما تجدين الطبيبة، لكن عندما وصلت لم أجد الطبيبة المطلوبة، وقيل لي إنها غير موجودة، فعدت إلى المستشفى اتصلوا بها فجاءهم الرد بأنها ستأتي لتنفيذ جولة على الأطفال بقسم الحواضن والعناية بقسم النسائية المدعوم من إحدى المنظمات، فقط، ولن تعاين أحدا”، مشيرة إلى أنها حاولت لاحقًا البحث عن طبيب خاص بالمدينة، لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب إغلاق العيادات قبيل غياب الشمس، ما اضطرها للعودة إلى المستشفى الوطني مرة أخرى لتنتظر مع مجموعة من المراجعين يحملون 4 أطفال مرضى لم يخرج إليهم أي طبيب.
أضافت السيدة أن الانتظار استمر طويلا لأنها لا تستطيع العودة للمنزل وطفلها يتألم بين يدها بهذه الحالة، وبعد أن تملك اليأس الناس وصلت إلى قسم الإسعاف حالة إصابة جراء حادث سقوط يرافقها مجموعة من العسكريين في “الجيش الوطني” احدثوا جلبة داخل ممرات المستشفى فاضطر الطبيب المناوب إلى النزول.
وأوضحت “أم إبراهيم” أن الطبيب لم يحضر سابقا لمعاينة الأطفال، لكنه حضر بعد وصل المصاب الذي تبيّن أن إصابته غير قاتلة، وتم تحويله إلى “تل أبيض” لإجراء تصوير طبقي محوري بسبب عدم توفر الخدمة داخل المشفى.
وبينت إلى أن وجود الطبيب في تلك اللحظة أتاح لابنها معاينة “بشكل عرضي” أثناء انتظار انتهاء عمليات تصوير المصاب، فعاين طفلها وعالجه ثم طلب له سيروم وحقن كيس المحلول بالأبر (حقن علاج) ثم انتظرنا حتى انتهاء السيروم قبل أن نخرج من المستشفى ليلا ونضطر للمبيت لدى احد الأقارب بالمدينة.
ويوجد في المستشفى 6 سيارات اسعاف تعمل واحدة فقط هذا ما يعيق عمليات الإسعاف من الريف أو حتى باتجاه مشافي الرقة كون الطرق نحو الحسكة والقامشلي مازالت مغلقة.
إضراب غير معلن
قال مصدر طبي لـ”سوريا 360″ إن مدينة “رأس العين” تشهد تدهورًا حادًا في القطاع الصحي، مع تراجع الخدمات إلى مستويات غير مسبوقة، ما ترك عشرات الآلاف من السكان دون غطاء طبي فعلي، مضيفا يمكن القول بخروج المشفى عن الخدمة فعليا، ما أدى إلى فراغ صحي خطير، انعكس بشكل مباشر على المرضى، خصوصًا من ذوي الدخل المحدودة الفقراء المعدمين، في وقت باتت فيه الرعاية الصحية مرتبطة بالقدرة على الدفع أكثر من الحاجة الطبية.
وأشار المصدر إلى أن هذا التراجع ترافق مع صعود لافت للمراكز الطبية الخاصة التي يعمل فيها جزء كبير من الكادر الطبي بالمشفى الوطني وأيضا يديرها جزء من الكادر الإداري للمشفى الحكومي، وسط تساؤلات حول آليات الترخيص والرقابة، في حين يعاني المشفى الحكومي من انخفاض قدرته التشغيلية ونقص الكوادر وهجرة الأطباء إلى القطاع الخاص.
كما أدى تأخر رواتب العاملين إلى تفاقم الضغوط داخل القطاع، ما انعكس سلبًا على جودة الخدمات وتحجج بعض أعضاء الكادر بعدم وجود الأدوية أو تعطل الأجهزة لتبرير عدم تقديم الخدمة الطبية للمراجعين، بل وتوجيهم إلى “المركز الطبي” بحجة عدم وجود أطباء بالمستشفى الحكومي ولا نعلم ما هي الإجراءات الحكومية التي تضبط عمل الكوادر خاصة أن بعضهم يذهب إلى “المجمع الخاص” أثناء الدوام الرسمي.
في القطاع الخاص بمدينة رأس العين، تصل كلفة خياطة الجروح إلى 50 ألف ليرة سورية، وتركيب السيروم 20 ألفاً، والجبيرة 70 ألفاً، فيما تبلغ معاينة الطبيب نحو 62 ألف ليرة سورية، وفق شهادات محلية.

اقرأ أيضا: نقيب أطباء دمشق يكشف جوانب من فساد النقابة أيام النظام المخلوع
تحزبات وشللية
وقال المصدر إن الأزمة تتجاوز كونها خللًا إداريًا، لتتحول إلى أزمة في بنية القطاع تستفيد منها شبكات مصالح أو شلل تنقسم على أساس التبعية لطبيب معين أو إلى جماعة “المنخرطين بالثورة” أو “العاملين سابقا مع قسد” أو “الموظفون القدماء خلال حكم نظام الأسد“، بينما يتحمل السكان كلفة الصراع بين هذه التكتلات من الناحية الصحية والاقتصادية، في ظل غياب إصلاحات ملموسة من قبل الحكومة التي ترسل الوفود تباعا لـ”بيع الكلام”، على حد تعبيره.
ولفت إلى أن الوضع الصحي ينزلق إلى منحدر خطير بعد إقدام المسؤولين السابقين على ترخيص صيدليات على أساس شهادات أصحابها غير موجودين أو على الأقل تحويلها لشركة لها أكثر من فرع بعضها لا يتورع عن بيع المخدرات لمن يطلبها، ناهيك عن ممارسة بعض الصيدليات التي لا يديرها صيدلي على ممارسة دور الطبيب في وصف العلاج وبيعه مباشرة للناس.
وأوضح أن المجمع الطبي الذي يديره المدير الإداري للمستشفى هو عمل استثمار اقتصادي يؤثر على عمل المشفى العام ودوام الكادر الإداري والأطباء المسؤولين في المشفى الحكومي هو من باب وضع قدم هنا وقدم هناك للحفاظ على الوظيفة الحكومية لا أكثر في حال وقفت الدولة على قدميها وأصبح لديها القدرة على دفع رواتب عالية، مشيرا إلى أن العاملين في هذا المجمع الطبي لا يدقق في شهاداتهم كونه محسوبا على القطاع الخاص جرى افتتاحه في نهاية فترة إدارة “مجلس رأس العين المحلي” للمنطقة قبيل دمجها بمؤسسات الدولة ولم يحصل على التراخيص اللازمة من الحكومة الجديدة في دمشق.
وفي جانب آخر من التحديات اليومية داخل مشفى “رأس العين”، يشكو مرضى ومرافقون من عدم تشغيل أجهزة التبريد داخل الغرف، بما في ذلك المراوح والمكيفات، رغم ارتفاع درجات الحرارة، ما يزيد من معاناتهم داخل الأقسام، في ظل عدم تخصيص الحكومة موازنة للمستشفى وقد تزداد الأمور سوء اذا قررت شركة الكهرباء التركية قطع التيار لعدم دفع الفاتورة.
في 13 آذار/مارس 2026 وصل وفد من وزارة الصحة برئاسة مدير صحة الحسكة “خالد الخالد” إلى المشفى، بهدف استلام إدارته من الهلال الأحمر التركي والاطلاع على واقع الخدمات الطبية فيه، في إطار خطوات لإعادة تنظيم عمل القطاع الصحي، كما زارته منظمة أطباء بلا حدود.
و تبعتها زيارة لجنة من مديرية صحة الحسكة في 6 نيسان/أبريل 2026 لاستقبال طلبات الكوادر المفصولين من مشفى “رأس العين” تمهيداً لإعادتهم إلى العمل، وكانت هذه أول خطوات الإدارة الجديدة لإعادة موظفين موالين لنظام الأسد للخدمة، تصل درجة ولائهم لنظام الأسد إلى حد رفض العمل في المشافي في فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) و”الجيش الوطني”، فجرت معاملتهم كأنهم مفصولون بسبب التحاقهم بركب الثورة السورية رغم أن رأس العين “محررة” منذ 2019.
تأتي أهمية أزمة مستشفى “رأس العين” الوطني كونها تهدد حياة الناس بشكل مباشر بكل ما تحمله الكلمة من معنى.