سوريا 360 – سامر المقداد
يتكرر مشهد النيران التي تلتهم حقول القمح والشعير، مع كل موسم حصاد، مخلفة وراءها خسائر كبيرة للمزارعين ومهددة أحد أهم مقومات الأمن الغذائي في البلاد. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها سوريا، لم تعد حرائق المحاصيل مجرد حوادث موسمية عابرة، بل تحولت إلى قضية تمس لقمة عيش المواطنين واستقرار القطاع الزراعي.
وخلال الأيام الماضية، شهدت محافظة درعا سلسلة من الحرائق طالت الأراضي الزراعية، وأدت إلى احتراق أكثر من 200 دونم من محاصيل القمح في عدة مناطق، أبرزها قرية “خربة غزالة” بريف درعا الشرقي، حيث التهمت النيران أكثر من 100 دونم قبل أن تتمكن فرق الإطفاء من السيطرة عليها بعد جهود استمرت لأكثر من ساعتين بمشاركة الأهالي وفرق الدفاع المدني وعناصر من وزارة الدفاع.
كما سجلت مناطق “الغارية الشرقية” و”الكرك الشرقي” حرائق مماثلة، في وقت تتكرر فيه هذه الحوادث بشكل شبه يومي خلال موسم الحصاد.
عقوبات تصل حد الإعدام
أكد المحامي “فراس المنزل” في تصريح لـ”سوريا 360” أن التوعية وحدها لم تعد كافية للحد من هذه الكوارث، مشدداً على ضرورة تفعيل نصوص قانون العقوبات السوري وتطبيقها بحزم على كل من يتسبب بحرائق المحاصيل سواء عمداً أو نتيجة الإهمال.
وأوضح أن المشرّع السوري صنّف جرائم إضرام النار في المحاصيل الزراعية والغابات ضمن الجرائم الخطيرة، حيث تنص المادة 573 من قانون العقوبات على معاقبة كل من يشعل النار عمداً في المحاصيل الزراعية أو الغابات أو البساتين بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة تتراوح بين سبع وخمس عشرة سنة.
وأضاف أن المادة 574 تشدد العقوبة لتصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو الإعدام إذا أدى الحريق المتعمد إلى وفاة أشخاص أو إحداث إصابات جسدية خطيرة. كما تنص المادة 575 على تحميل المسؤولية الجزائية لمن يشعل النار في أرضه الخاصة إذا امتدت النيران إلى أملاك الغير أو ألحقت ضرراً بالمصلحة العامة.
وأشار “المنزل” إلى أن القانون لا يعفي المتسببين بالحرائق الناتجة عن الإهمال، مثل رمي أعقاب السجائر أو إهمال صيانة الآليات الزراعية، إذ يعاقب مرتكبوها بالحبس والغرامات المالية وإلزامهم بالتعويض عن الأضرار الناتجة.
![]()
اقرأ آيضا: اجتماع موسّع في نوى لحماية محصول القمح من الحرائق
أسباب مجهولة
قال “مصطفى البدوي“، الذي عمل لمدة 15 عاماً في مجال الإطفاء والدفاع المدني، وشارك في إخماد مئات حرائق المحاصيل، إن معظم التقارير التي كانت تصدر بعد التحقيق في الحرائق كانت تسجل أسبابها على أنها “مجهولة” أو ناتجة عن رمي أعقاب السجائر.
وأكد “البدوي” أن الوقاية تبقى الوسيلة الأكثر فاعلية للحد من الخسائر، داعياً المزارعين إلى ترك مسافة أمان لا تقل عن 4 أمتار حول الأراضي المزروعة، وخاصة على الواجهات المطلة على الطرق العامة والزراعية، إضافة إلى إزالة الأعشاب الجافة بشكل دوري لمنع انتقال النيران إلى الحقول.
كما شدد على ضرورة ترسيخ ثقافة الوقاية من المخاطر ضمن المناهج الدراسية، وعدم حصرها في حملات موسمية أو مناسبات محددة.
حصاد مبكر
لجأ مزارعو ريف درعا إلى بدء حصاد القمح والشعير قبل موعده المعتاد، كإجراء احترازي يهدف إلى تقليل احتمالات خسارة المحاصيل بالكامل.
وقال المزارع “حمزة المحمود” لـ”سوريا 360″ إن الحصاد المبكر أصبح جزءاً من الخطط السنوية للمزارعين في ظل تزايد موجات الحر والتغيرات المناخية، موضحاً أن خسارة جزء محدود من الإنتاج بسبب التبكير في الحصاد تبقى أقل ضرراً من فقدان المحصول بالكامل نتيجة الحرائق.
وتترافق عمليات الحصاد مع إجراءات أخرى تشمل تنظيف أطراف الحقول وإنشاء خطوط عازلة للحد من انتشار النيران، فيما يواصل الدفاع المدني السوري تحذيراته للمزارعين والأهالي بضرورة الالتزام بإجراءات السلامة وتعزيز الوعي المجتمعي للحد من المخاطر.
ومع تزايد الحرائق المسجلة في درعا واقتراب ذروة فصل الصيف، تتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الخسائر الزراعية. ويرى مختصون أن حماية محصول القمح لم تعد قضية زراعية فحسب، بل أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الغذائي والأمن المجتمعي، ما يستدعي الجمع بين تطبيق القانون بصرامة، وتعزيز إجراءات الوقاية، ورفع مستوى الوعي لدى المواطنين والمزارعين على حد سواء، للحفاظ على ما تبقى من الثروة الزراعية ومصادر رزق آلاف الأسر السورية.