سوريا 360 – محافظات – محمد الحسون
مع بدء تراجع منسوب نهر الفرات في بعض المناطق، بدأت تتضح الصورة الكاملة لحجم الخسائر التي خلفتها الموجة الفيضانية في محافظتي الرقة ودير الزور. فالأضرار لم تقتصر على الأراضي الزراعية والمحاصيل، بل امتدت إلى محطات المياه والطرق والجسور، وأجبرت آلاف العائلات على مغادرة منازلها مؤقتا، في واحدة من أكبر موجات الفيضانات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
أرقام أولية
رغم التحذيرات التي سبقت ارتفاع منسوب النهر، تشير شهادات محلية إلى أن الجاهزية الميدانية لم تكن بالمستوى الذي توقعه السكان، خاصة في الأيام الأولى للأزمة.
في المقابل، أكدت فرق الدفاع المدني أنها أصدرت تحذيرات متكررة للسكان في المناطق المهددة، مشيرة إلى أن عددا من الأهالي لم يستجيبوا للتعليمات المتعلقة بالإخلاء والابتعاد عن ضفاف النهر.
كما أوضحت أن حالات الغرق المسجلة خلال الأزمة كانت مرتبطة بالسباحة في النهر وعدم الالتزام بإجراءات السلامة.
وفي دير الزور، كشف رئيس لجنة الاستجابة الطارئة “فايز عباس” أن الفيضان أدى إلى خروج 84 محطة مياه عن الخدمة، قبل أن تتم إعادة تشغيل 22 محطة منها، إضافة إلى محطة الفرات الرئيسية التي تغذي مدينة دير الزور.
وأشار إلى تنفيذ أعمال عاجلة لحماية عشرات المحطات عبر إنشاء سواتر ترابية، إلى جانب تخصيص عشرات الصهاريج لتأمين مياه الشرب للمناطق المتضررة.
أما في القطاع الزراعي، فقد بلغت المساحات المغمورة أكثر من 20 ألف دونم موزعة على 17 منطقة، فيما سجلت بلدات “الخريطة وهجين والتبني ومحيميدة وخشام والجلاء والسوسة” أعلى نسب الضرر.
وتؤكد الجهات الرسمية أن عمليات حصر الأضرار ما تزال مستمرة تمهيداً لوضع آلية للتعويض وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
آلاف النازحين
على المستوى الإنساني، أعلن الهلال الأحمر السوري نزوح نحو 1600 عائلة بشكل احترازي في دير الزور، مع غمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتعطل عدد من الجسور ومحطات المياه.
كما تسببت الفيضانات في اضطراب الخدمات الأساسية في عدد من المناطق التي تعاني أصلاً من هشاشة في البنية التحتية.
اقرأ أيضا: فيضان الفرات.. حقول تغرق وأسئلة تطفو حول جاهزية السد
وفي الرقة، أفاد الهلال الأحمر بنزوح أكثر من 600 عائلة، إضافة إلى غمر نحو ألفي دونم من الأراضي الزراعية وخروج غالبية محطات مياه الشرب والري عن الخدمة.
وشاركت فرق الإغاثة في عمليات إخلاء السكان من المناطق المهددة، خصوصاً في زور حمرة غنام وحويجة السوافي والأحياء الواقعة على أطراف مدينة الرقة.
من جهتها، قدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عدد المتضررين الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بنحو 14 ألف شخص، بينهم آلاف الأطفال.
معركة إعادة الخدمات
بعد انحسار المياه تدريجياً، بدأت الجهات الحكومية تنفيذ خطة لإعادة تشغيل المرافق الحيوية المتضررة.
وأعلنت وزارة الطاقة إعادة تشغيل تسع محطات مياه شرب في ريف دير الزور الشرقي والغربي بكامل طاقتها الإنتاجية، بعد انتهاء أعمال الصيانة اللازمة وتراجع منسوب النهر.
وأشارت الوزارة إلى استمرار العمل لإعادة تأهيل محطات أخرى خرجت عن الخدمة خلال ذروة الفيضان، بهدف ضمان استقرار إمدادات مياه الشرب للمناطق المتضررة.
وفي أحدث تقييم رسمي، أكدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أن منسوب المياه بدأ بالتراجع في محافظة الرقة، بينما استمرت بعض المناطق في دير الزور بتسجيل ارتفاعات متفاوتة نتيجة وصول الموجة المائية المتأخرة.
وأوضحت الوزارة أن فرقها تواصل العمل ضمن غرفة طوارئ مشتركة على مدار الساعة، حيث تشمل التدخلات حماية محطات المياه والجسور والمنشآت الحيوية عبر إنشاء السواتر الترابية وتنفيذ أعمال التدعيم الهندسي في المواقع المهددة.
كما استمرت النقاط الإسعافية في تأمين نقل المرضى والحالات الإنسانية بين ضفتي الفرات بعد تعطل بعض المعابر والجسور.
ما بعد الفيضان
مع انحسار المياه تدريجياً، يبقى التحدي الأكبر في تقدير الخسائر وتعويض المتضررين وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية.
لكن الأسئلة التي أثارتها هذه الأزمة لا تزال قائمة، بدءاً من فعالية منظومات الإنذار المبكر وآليات إدارة الفيضانات، وصولاً إلى قدرة السدود على التعامل مع موجات مائية مفاجئة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
فبالنسبة لسكان وادي الفرات، لا يتعلق الأمر فقط بخسائر موسم زراعي أو أضرار مؤقتة، بل بمستقبل منطقة تعتمد حياتها واقتصادها بالكامل على نهر واحد ما زال قادراً على منح الحياة… أو قلبها رأسا على عقب خلال أيام قليلة.