سوريا 360 – محافظات – محمد الحسون
في الوقت الذي كان فيه مزارعو وادي الفرات يستعدون لحصاد موسم انتظروه لأشهر، تحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في محافظتي الرقة ودير الزور إلى مسطحات مائية بعد ارتفاع حاد في منسوب نهر الفرات.
وخلال أيام قليلة، غمرت المياه حقول القمح والمراعي والمنازل القريبة من ضفاف النهر، مخلفة خسائر كبيرة في موسم يعد مصدر الدخل الرئيسي لآلاف العائلات.
ورغم أن الفيضانات كانت متوقعة هذا العام نتيجة غزارة الأمطار وامتلاء البحيرات والسدود، فإن توقيتها مع اقتراب موسم الحصاد أعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول فعالية منظومات الإنذار المبكر، وقدرة السدود على أداء وظيفتها الأساسية في ضبط الفيضانات واحتواء موجاتها المفاجئة.
وركزت معظم التصريحات الرسمية على أن مياه نهر الفرات لم تخرج من سريره الطبيعي، وأن الأضرار وقعت ضمن مناطق شهدت تعديات على حرم النهر، إلا أن ذلك لم يمنع السكان والمتضررين من التساؤل: لماذا غرقت هذه المساحات الواسعة؟ وهل كانت إجراءات التحذير والاستجابة كافية؟
موسم ضاع تحت المياه
قال مزارعون في وادي الفرات إن الفيضان ألحق أضراراً واسعة بمحاصيل القمح والمنازل القريبة من مجرى النهر، وسط مطالبات بتعزيز إجراءات الاستجابة المبكرة.
وأوضح “موسى العلي” لـ”سوريا 360″، وهو صاحب حقل قمح غمرته المياه بين الرقة ودير الزور، أن الفيضان قطع طريق الوصول إلى أرضه بالكامل، بعدما تحولت المنطقة إلى مساحة مغمورة بالمياه لمسافة تتجاوز 100 متر وبعمق لا يقل عن نصف متر.
ويقول إن الحصاد كان يفصل عنه أيام قليلة فقط، قبل أن تغمر المياه مئات الدونمات المزروعة بالقمح، ما يهدد مصادر دخل عشرات العائلات التي تعتمد على الزراعة كمورد رئيسي للعيش.
ويقف “العلي” وسط المياه مشيراً إلى ساتر ترابي يبلغ ارتفاعه نحو مترين تجاوزته المياه بسهولة، موضحا أن ارتفاع تصريف سد الفرات من نحو 500 متر مكعب إلى قرابة 1800 متر مكعب في الثانية أدى إلى امتداد المياه خارج المجرى المعتاد للنهر وإغراق الحقول الواقعة على ضفتيه شرق الرقة.
أما جاره “هواش الحسين الهندي” (70 عاماً)، فيصف لـ”سوريا 360″ ما حدث بأنه “ضياع كامل لمصدر رزقه”.

اقرأ أيضا: إغلاق البوابة الخامسة لسد الفرات
وقال: “الأرض مساحتها 50 دونما، وفيها بئر يعمل بالطاقة الشمسية إضافة إلى منزل وحظائر للغنم. نحن نعيش هنا طوال العام ونزرع ونحصد ونربي المواشي، واليوم لم يبق شيء. الأرض غرقت والدار تضررت وحقل الفصة اختفى تحت المياه”.
وأضاف أن إعادة تأهيل الأرض واستئناف الزراعة بعد انحسار المياه قد تتطلب ما بين 4 و5 آلاف دولار لتأمين البذار والطاقة وإصلاح الأضرار، مشيرا إلى أن العائلة اضطرت للمرة الأولى منذ سنوات إلى نقل المواشي بعيداً عن الحظائر خوفاً من ارتفاع المياه.
وعلى مقربة من جسر الرقة العتيق، يقف “أحمد حسن الشيخ” متابعا التدفق السريع للفرات، ويقول إن المشهد يذكره بفيضانات لم تشهدها المنطقة منذ عقود.
ويؤكد لـ”سوريا 360” أن المياه وصلت إلى منازل في مناطق عدة منذ الأيام الأولى، معتبراً أن إجراءات التحذير وإبعاد السكان عن ضفاف النهر لم تكن بالمستوى المطلوب.
ماذا حدث في السدود؟
في مواجهة الانتقادات والتساؤلات، أكد المدير العام للمؤسسة العامة لسد الفرات “هيثم بكور” لـ”سوريا 360″، أن الوضع الفني للسدود كان مستقراً، وأن جميع المنشآت كانت في حالة جاهزية جيدة بعد أعمال صيانة شملت جسم السد وبوابات المفيض.
وأوضح أن الأزمة بدأت مع وصول موجة فيضانية من الأراضي التركية في وقت كانت فيه بحيرات السدود السورية شبه ممتلئة، إذ بلغ منسوب بحيرة سد الفرات نحو 97 بالمئة من طاقتها.
وبحسب “بكور”، فإن الجانب التركي أبلغ السلطات السورية قبل 24 ساعة فقط بوصول الموجة المائية، مبررا ذلك بامتلاء البحيرات التركية نتيجة الأمطار الغزيرة.
ويشير إلى أن الجهات المشغلة حاولت امتصاص جزء من الموجة داخل بحيرتي سدي تشرين والفرات قبل اللجوء إلى فتح بوابات المفيض تدريجياً للتعامل مع التدفقات المتزايدة.
وبلغ الوارد المائي ذروته بين يومي الثلاثاء والجمعة عند نحو 1800 متر مكعب في الثانية، قبل أن تبدأ عمليات خفض التصريف تدريجياً مع تراجع الموجة الفيضانية.
وأكد “بكور” أن غرف العمليات كانت تراقب المناسيب والتدفقات على مدار الساعة، متوقعاً عودة المياه إلى مستوياتها الطبيعية خلال أيام.
كما شدد على أن الأضرار وقعت في مناطق متعدية على حرم النهر، معتبراً أن سرير الفرات قادر على استيعاب تدفقات أكبر بكثير من المسجلة خلال الأزمة.
لكن هذه التوضيحات لم تنه الجدل في أوساط السكان، حيث استمرت التساؤلات حول أسباب عدم فتح البوابات في وقت أبكر، ومدى قدرة منظومة السدود على استيعاب موجات فيضانية مشابهة مستقبلاً، خاصة أن ملايين السكان يعيشون على امتداد وادي الفرات ويعتمدون على النهر في الزراعة ومياه الشرب والخدمات الأساسية.
وفي الوقت الذي بدأت فيه المياه بالانحسار تدريجيا، كانت صورة أخرى للأزمة تتكشف في الرقة ودير الزور، مع اتساع رقعة الأضرار وخروج محطات مياه وجسور عن الخدمة ونزوح آلاف العائلات من المناطق المهددة بالغمر، وهو ما نتناوله “سوريا 360” في الجزء الثاني.