سوريا 360 – عمار الحميدي
حين تفقد المدن أبناءها الذين وثقوا تاريخها، لا تفقد أشخاصاً فقط، بل تخسر شهوداً على الذاكرة. وفي الرقة، رحل خلال العقود الماضية عدد من الباحثين والمؤرخين والأدباء الذين كرّسوا سنوات طويلة لجمع الروايات الشفوية، وتتبع الوثائق، وتوثيق الآثار، ورصد التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المحافظة.
ورغم اختلاف تخصصاتهم بين التاريخ والآثار والأدب والتراث الشعبي، إلا أن ما جمعهم كان هدفاً واحداً: حماية ذاكرة الرقة من النسيان.
واليوم، ومع رحيل معظم هؤلاء الباحثين، أصبحت كتبهم ومخطوطاتهم وسيرهم تمثل أرشيفاً موازياً لتاريخ المحافظة، ومصدراً أساسياً لكل من يسعى لفهم الرقة ومجتمعها وتحولاتها عبر العقود.
“علي السويحة”.. الرجل الذي أراد كتابة الرقة كلها
يُعد الباحث والمؤرخ الراحل “علي السويحة” (1944-2021) من أكثر الشخصيات التي كرّست حياتها لتوثيق الرقة ومحيطها الاجتماعي والثقافي. بدأ مشروعه البحثي أواخر سبعينيات القرن الماضي، واستمر لأكثر من أربعين عاماً، جمع خلالها مادة ضخمة اعتمدت على الروايات الشفوية والوثائق المحلية والسجلات العائلية. من مؤلفاته:
-موسوعة الرقة: تمثل مشروعه الأبرز، إذ حاول من خلالها جمع تاريخ المدينة وسكانها وعشائرها وشخصياتها وأحداثها في عمل موسوعي واسع، يعد من أكبر المشاريع التوثيقية المحلية الخاصة بالرقة.
–تراجم محدثي الرقة وحران: يتناول أعلام الحديث والفقه الذين عاشوا في الرقة وحران عبر العصور الإسلامية، ويعيد تسليط الضوء على المكانة العلمية التي تمتعت بها المنطقة في التاريخ الإسلامي.
-ديار مضر وتراجمهم: يوثق تاريخ القبائل العربية التي استوطنت منطقة الفرات والجزيرة، مع عرض لتراجم شخصيات بارزة أسهمت في الحياة العلمية والاجتماعية.
-كرامات أولياء الرقة: يرصد الموروث الديني والشعبي المرتبط بأضرحة الأولياء والشخصيات الدينية التي احتفظت بمكانة خاصة في الذاكرة المحلية.
-معجم الألفاظ والمفردات الفارسية في اللهجة الرقية: دراسة لغوية توثق المفردات الدخيلة على اللهجة المحلية، وتكشف التداخل الحضاري والثقافي الذي شهدته المنطقة عبر القرون.

“صبحي الدسوقي”.. مؤرخ الحركة الثقافية
لم يكن الأديب والقاص الراحل “صبحي الدسوقي” (1957-2023) مجرد كاتب قصة قصيرة، بل تحول إلى مؤرخ للحياة الثقافية في محافظة الرقة. من مؤلفاته:
-الحركة الثقافية في محافظة الرقة (1900-1989): يوثق هذا الكتاب أسماء الأدباء والشعراء والمسرحيين والصحفيين والفعاليات الثقافية التي شهدتها المحافظة خلال قرابة تسعين عاماً، ويعد مرجعاً أساسياً للحياة الثقافية الرقية.
-الحركة الثقافية في محافظة الرقة (1900-2008): جاء استكمالاً للجزء الأول، وأضاف مئات الأسماء والأنشطة والمؤسسات الثقافية، ليصبح العمل الأكثر شمولاً في تاريخ الثقافة المحلية.
-درة الفرات: شارك في إعداد هذا الكتاب الجماعي الذي تناول تاريخ الرقة وتراثها وآثارها وشخصياتها، وساهم في تقديم صورة متكاملة عن المحافظة من زوايا متعددة.
وبفضل هذه الأعمال تحول “الدسوقي” إلى أحد أهم من وثقوا المشهد الثقافي للرقة خلال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

“محمد العزو”.. حارس آثار الفرات
عرفه أبناء الرقة باسم “أبو آثار”، لكن الباحث الأثري “محمد العزو” (1950-2025) كان أكثر من ذلك؛ فقد جمع بين العمل الميداني والبحث الأكاديمي والدفاع عن التراث. من مؤلفاته:
-حضارة الفرات الأوسط والبليخ: يستعرض الكتاب تاريخ الحضارات التي نشأت على ضفاف الفرات والبليخ، ويقدم قراءة أثرية للمواقع القديمة التي شكلت جزءاً من هوية المنطقة منذ آلاف السنين.
كما تكمن أهمية الكتاب في ربط المكتشفات الأثرية بالسياق التاريخي العام للمنطقة، ما يجعله مرجعاً مهماً للباحثين في تاريخ الفرات وآثاره.
وإلى جانب كتابه، ترك العزو عشرات الدراسات والمحاضرات والمقالات التي أسهمت في رفع الوعي بأهمية حماية التراث الأثري في الرقة.

“مصطفى الحسون”.. المؤرخ الذي أنقذ السور الأثري
جمع “مصطفى الحسون” (1928-1995) بين التعليم والشعر والتاريخ، لكنه اشتهر أكثر بمشروعه الكبير لتوثيق تاريخ الرقة. من مؤلفاته:
-تاريخ الرقة (خمسة أجزاء): يعد هذا المشروع من أضخم الأعمال التاريخية التي تناولت المدينة.
الجزء الأول يتناول الرقة في العصور القديمة والحضارات التي تعاقبت عليها.
الجزء الثاني يركز على الفتح الإسلامي والعصر الأموي.
الجزء الثالث يتناول العصر العباسي والحياة العلمية والأدبية.
الجزء الرابع يرصد المراحل السياسية اللاحقة والدول التي حكمت المنطقة.
الجزء الخامس يوثق مرحلة الأتابكة وانهيار المدينة خلال الغزو المغولي.
ولا تقتصر أهمية “الحسون” على الكتابة، فقد لعب دوراً مباشراً في حماية معالم تاريخية بارزة مثل السور الأثري وقصر البنات والجامع العتيق.

“معبد الحسون”.. شاهد الرقة في زمن الثورة
ارتبط اسم الروائي والسياسي الراحل “معبد الحسون” (1957-2025) بالنضال السياسي والكتابة الأدبية، لكنه ترك أيضاً شهادة توثيقية مهمة عن الرقة خلال سنوات الثورة السورية. من مؤلفاته:
–الرقة والثورة.. شهادة شخصية: يقدم الكتاب سرداً توثيقياً لتجربة المدينة منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية وحتى سيطرة تنظيم داعش عليها.
وتنبع أهمية الكتاب من كونه شهادة مباشرة كتبها شخص عايش الأحداث، موثقاً تفاصيل سياسية وأمنية واجتماعية شكلت واحدة من أخطر المراحل في تاريخ الرقة الحديث.
ويُنظر إليه اليوم بوصفه أحد المصادر المحلية المهمة لفهم تلك المرحلة.

“محمود الذخيرة”.. حارس الذاكرة الشعبية
يُعرف “محمود الذخيرة” (1947-2014) بوصفه أحد أبرز شعراء الرقة الشعبيين، إلا أن مساهمته في التوثيق التراثي لا تقل أهمية عن منجزه الشعري. من مؤلفاته:
–أهل الرقة (2002): يقدم الكتاب صورة واسعة عن المجتمع الرقي وعشائره
وتكمن أهميته في أنه وثّق جانباً من التراث غير المكتوب الذي كان مهدداً بالاندثار مع التحولات الاجتماعية المتسارعة.
كما ترك الذخيرة عشرات الدراسات والمخطوطات التي تناولت الشعر الشعبي والتراث الشفهي في المحافظة.

“محمد عبد الحميد الحمد”.. مؤرخ البنية الاجتماعية للرقة
يُعد الدكتور “محمد عبد الحميد الحمد” (1938-2017) من أبرز الباحثين الذين اهتموا بدراسة التاريخ الاجتماعي للجزيرة السورية. من مؤلفاته:
-عشائر الرقة والجزيرة (2003): يتناول الكتاب أصول العشائر المنتشرة في الرقة والجزيرة السورية، ومسارات هجرتها، وعلاقاتها الاجتماعية، وأدوارها التاريخية في المنطقة.
وتبرز أهمية العمل في كونه من أوائل الدراسات الحديثة التي حاولت تقديم قراءة منهجية للبنية العشائرية بعيداً عن الروايات المتفرقة، ما جعله مرجعاً مهماً للباحثين في التاريخ الاجتماعي للفرات والجزيرة.
ورغم أن الحمد ألّف عشرات الكتب في الفكر والأديان والحضارات، فإن هذا الكتاب يبقى الأكثر ارتباطاً بتاريخ الرقة ومجتمعها.

ذاكرة مدينة كاملة
من “علي السويحة” إلى “صبحي الدسوقي”، ومن “محمد العزو” إلى “مصطفى الحسون”، مروراً ب”معبد الحسون” و”محمود الذخيرة ومحمد عبد الحميد الحمد”، تتشكل أمامنا مكتبة كاملة كتبت تاريخ الرقة من زوايا متعددة؛ التاريخ والآثار والعشائر والثقافة والتراث والثورة.
وربما تكمن قيمة هؤلاء الراحلين في أنهم لم يكتفوا بسرد أحداث المدينة، بل حفظوا ذاكرتها في مواجهة النسيان. فبين صفحات كتبهم ما يزال الفرات يجري، وما تزال الرقة تحكي قصتها للأجيال القادمة.