سوريا 360- سامر المقداد
في الوقت الذي انشغل فيه كثيرون بمتابعة مشاهد ارتفاع منسوب المياه في قرى ومدن حوض الفرات، برزت تساؤلات واسعة حول مدى جاهزية الجهات المعنية للتعامل مع الكوارث المائية، وحول ما إذا كانت الخسائر التي وقعت قدراً لا يمكن تفاديه، أم نتيجة غياب التخطيط والإدارة العلمية للأزمات.
المهندس المختص بقضايا الأمن المائي “بشر الإمام“، قدّم قراءة تحليلية لما جرى، مسلطاً الضوء على جملة من الثغرات الفنية والإدارية التي ساهمت في تفاقم آثار الفيضان.
وأكد المهندس “بشر امام” الذي عمل لسنوات في مجال الأمن المائي ضمن مؤسسات الأمم المتحدة، ويُعد من المختصين في قضايا إدارة الموارد المائية، في حديثه لمنصة “سوريا360“، أن هذه المعلومات هي انطباع أولي، ويعمل مع مجموعة من المختصين، لوضع صورة متكاملة ودقيقة عن نظام إدارة الحوض والسدود في سوريا.
غياب خرائط الفيضانات
بحسب “امام”، فإن أي حوض مائي في العالم يجب أن يمتلك خرائط دقيقة للفيضانات، تحدد مسبقاً مناطق الغمر المحتملة وفق مستويات التدفق المختلفة، إضافة إلى توقيت وصول موجات المياه إلى التجمعات السكانية. هذه الدراسات تعتمد على نماذج حسابية حديثة، وتقنيات نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد، وكان يفترض إنجازها منذ سنوات ضمن مؤسسات إدارة الموارد المائية.
ورغم أن المهلة التي منحتها تركيا قبل فتح مسايل سد “أتاتورك” لم تتجاوز أسبوعاً، إلا أنها، كانت كافية على الأقل لتنفيذ خطط إخلاء منظمة وتحريك فرق إدارة الكوارث، خاصة مع وجود مؤسسات رسمية يفترض أن تكون مهمتها الأساسية الاستعداد لمثل هذه الحالات الطارئة.
ويؤكد “امام” أن إدارة الكوارث لا تبدأ لحظة وقوع الأزمة، بل تقوم أساساً على التدريب المسبق، وبناء خطط استجابة واضحة، وإشراك المجتمعات المحلية في آليات الإنذار والإخلاء، وهي أمور لم تظهر بشكل فعّال خلال الأزمة الأخيرة.
![]()
اقرأ أيضا: تركيا تبدأ خفض المياه الممررة عبر الفرات
هل كان بالإمكان تخفيف حدة الفيضان؟
يشير تحليل الخبير الاممي إلى أن أحد الإجراءات الاحترازية الممكنة كان يتمثل في خفض مستوى البحيرات والسدود بشكل جزئي قبل وصول موجة المياه القادمة من تركيا، ما كان سيتيح استيعاب كميات أكبر من المياه وتقليل حدة الفيضان اللاحق.
ورغم عدم وضوح ما إذا كانت هذه الخطوات قد اتخذت فعلياً، إلا أن “الإمام” يرى أن الموسم الحالي كان معروفاً بأنه “موسم متطرف مائياً ومناخياً”، وهي معطيات كانت متاحة ليس فقط للخبراء، بل حتى للسكان المحليين، ما يجعل الاستعداد المبكر أمراً ضرورياً.
أزمة الإدارة المشتركة للمياه
واحدة من أبرز المشكلات التي يلفت إليها التقرير تتمثل في غياب إدارة متكاملة لحوضي دجلة والفرات بين الدول الثلاث: تركيا وسوريا والعراق.
فالتعاون المائي كما يوضح “امام” لا يقتصر على الإبلاغ المسبق بفتح السدود، بل يتطلب تبادل البيانات المناخية، ومستويات التخزين، وخطط تشغيل السدود، وصولاً إلى إدارة مشتركة للمنشآت المائية في فترات المناخ المتطرف.
لكن هذا النوع من الإدارة التشاركية يصطدم، بحسب التحليل، بحسابات سياسية واستراتيجية، إذ تتحفظ تركيا على مشاركة معلومات دقيقة حول مخزون المياه في أعالي الحوض، لما لذلك من تأثير على ملفات التفاوض المتعلقة بالحصص المائية.
الاستفادة من التكنولوجيا
في المقابل، نجحت العراق جزئياً في تجاوز نقص المعلومات عبر استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد لمراقبة الغطاء الثلجي في أعالي الحوض، ما منح الباحثين والمهندسين قدرة أفضل على توقع كميات المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج في الربيع.
هذه التجربة، وفق مراقبين، تؤكد أهمية الاستثمار في التكنولوجيا والبيانات العلمية كأدوات أساسية في إدارة الموارد المائية والكوارث الطبيعية.
دعوات لإعادة النظر
“امام” دعا أيضا إلى إعادة تقييم قرار دمج وزارتي الزراعة والموارد المائية، معتبرا أن إدارة الأنهار العابرة للحدود في شرق سوريا تتطلب خبرات متخصصة ومستقلة، تختلف عن احتياجات المناطق الأخرى.
ويختم تحليله بالتأكيد على أن مفاهيم إدارة المياه تطورت عالمياً خلال العقود الأخيرة، ولم تعد تقتصر على الإدارة التقليدية، بل أصبحت تعتمد على “الحوكمة التشاركية”، التي تقوم على إشراك المجتمعات المحلية وأصحاب المصلحة في صنع القرار، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
غير أن ما حدث في حوض الفرات، بحسب التحليل، يكشف أن سكان القرى والمناطق المتضررة ما زالوا بعيدين عن دوائر القرار، في وقت لا تزال فيه الإدارة الفردية والعشوائية تطغى على إدارة هذا الملف الحيوي.
وكان وزير الطوارئ وإدارة الكوارث “رائد الصالح“، أعلن الخميس 28 أيار مايو، تشكيل غرفة عمليات مشتركة تعمل على مدار الساعة مع محافظتي دير الزور والرقة ومديريات الموارد المائية لمواجهة تداعيات ارتفاع منسوب الفرات.
وقال “الصالح” في منشور على منصة “إكس” إن فرق المؤازرة بدأت بالوصول تباعاً من محافظات حلب وإدلب وحماة وحمص.
وأشار إلى أن الوزارة لم تسجل أي أضرار في الأرواح بسبب فيضان النهر، موضحاً أن حالات الوفاة المسجلة هي لأطفال كانوا يسبحون في النهر ولا ترتبط بالفيضان بحد ذاته.
وتعهد “الصالح” ببذل كل ما يمكن للاستجابة لحالات الطوارئ والكوارث، وضمان سلامة الأهالي وحماية المجتمعات الواقعة على ضفتي النهر.