سوريا 360 – سامر المقداد
تشهد المحافظات السورية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حوادث الاعتداء على عناصر الأمن الداخلي وشرطة المرور في ظل استمرار توترات اجتماعية وأمنية أعقبت سنوات المأساة السورية، حيث تتراوح هذه الحوادث بين مشاجرات فردية واشتباكات مسلحة ترتبط بانتشار السلاح وتعدد الجهات الأمنية في بعض المناطق.
ويرى مختصون أن هذه الظاهرة تعكس تراكم أزمات اقتصادية واجتماعية انعكست سلباً على العلاقة بين المواطن ورجل الأمن رغم محاولات الحكومة تعزيز الاستقرار وترسيخ هيبة القانون.
تراكمات المخلوع
ما هو التوصيف القانوني للاعتداءات التي يتعرض لها عناصر الشرطة والأمن الداخلي في سوريا وفق القانون السوري والقانون الدولي؟ وإذا كان مهمة عنصر الأمن حماية الأهالي، فمن يحمي عنصر الأمن؟ إلى أي حد يستطيع عنصر الأمن الدفاع عن نفسه عند حدوث الإساءة اللفظية أو الجسدية؟
وفي هذا السياق أجرت منصة “سوريا 360” حوارا مع المحامي “فراس المنزل” والناشط “محمد المحمد” للوقوف على أسباب هذه الاعتداءات وأبعادها القانونية والاجتماعية.
يرى المحامي “فراس المنزل” أن جذور تفشي الاعتداءات على عناصر الشرطة والأمن الداخلي تعود إلى تراكمات الأربعة عشر عاماً وما رافقها من تآكل في هيبة الدولة وصعود مجموعات عملت خارج إطار القانون سواء من اللجان الشعبية أو ما كان يُعرف سابقاً بالشبيحة أو بعض المجموعات غير المنضبطة المحسوبة على أطراف مختلفة لاحقاً، كما يشير إلى أن الصورة النمطية التاريخية القائمة على الشك والعداء المتبادل بين المواطن ورجل الأمن إضافة إلى الضغوط النفسية والاقتصادية الحادة ساهمت في تعميق هذه الظاهرة إلى جانب غياب الردع الحتمي نتيجة انتشار المحسوبية والواسطة.
ويوضح “المنزل” أن القانون السوري ولا سيما قانون العقوبات العام رقم 148 لعام 1949 وتعديلاته يكيّف الاعتداءات على عناصر الشرطة وفق طبيعتها مع اعتبار صفة الموظف العام ظرفاً مشدداً للعقوبة، حيث تنص المادة 373 على معاقبة كل من يوجه تحقيراً أو تهديداً لموظف عام أثناء قيامه بعمله أو بسبب وظيفته، وتنص المادة 371 على معاقبة من يعتدي بالعنف أو الشدة على موظف عام أثناء تنفيذ القوانين.
وتشدد المادة 372 العقوبة إذا وقع الاعتداء من عدة أشخاص أو كان المعتدي مسلحاً أو أدى الفعل إلى نتائج أشد خطورة، إضافة إلى تطبيق مواد الإيذاء المقصود من 540 إلى 543 في حالات الضرب والإيذاء مع إمكانية تشديد العقوبة وفق المادة 247 لوقوع الجرم على موظف عام، مشيراً إلى أن العقوبة قد تصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة وقد تبلغ الأشغال الشاقة المؤبدة أو العقوبات الأشد في حال تطور الجرم إلى قتل أو محاولة قتل.
اقرأ أيضا: حمص.. اعتداء بالضرب على شرطي مرور والسلطات تتوعد بعقوبة رادعة
حماية الشرطة
وعلى المستوى الدولي يوضح “المنزل” أنه لا توجد اتفاقية مخصصة حصراً لحماية عناصر الشرطة إلا أن هناك منظومة اتفاقيات ترتبط بحماية حقوق الإنسان من أبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1969 الذي تكفل المادة 9 منه الحق في الأمن والسلامة الجسدية، فيما تحظر المادة 7 التعذيب والمعاملة القاسية، إضافة إلى اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 2004 التي تمنع استخدام القوة أو الإيذاء بشكل غير مشروع، إلى جانب مدونات الأمم المتحدة الخاصة بسلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون التي تؤكد مبدأي الضرورة والتناسب في استخدام القوة.
ويؤكد أن حماية عنصر الأمن تتم عبر مستويات قانونية وإجرائية ومؤسساتية، فالمادة 247 من قانون العقوبات تعتبر الاعتداء على الموظف العام ظرفاً مشدداً لأنه يمس هيبة الدولة والمرفق العام، كما تمنح المادة 178 من قانون أصول المحاكمات الجزائية محاضر الضابطة العدلية حجية قانونية ضمن حدودها، فيما تلتزم وزارة الداخلية بتقديم الدعم القانوني والرعاية الطبية والتعويضات لعائلات الشهداء والمصابين.
ويتابع “المنزل” أن استخدام عنصر الأمن للقوة يخضع لمبدأي الضرورة والتناسب حيث لا يجوز الرد على الإهانة اللفظية بالقوة ويقتصر الإجراء على تنظيم الضبط القانوني، بينما قد يعرّض استخدام العنف غير المبرر العنصر للمساءلة، أما في حالات الخطر الجسدي فتجيز المادة 183 الإعفاء من المسؤولية عند تنفيذ الواجب وتسمح المادة 184 بالدفاع الشرعي بشرط التناسب، على أن استخدام القوة المميتة لا يكون إلا كخيار أخير، مع خضوع جميع الإجراءات للرقابة القانونية وفق المادة 185 المتعلقة بتجاوز حدود الدفاع الشرعي.
فوضى السلاح
وفي ختام حديثه يشدد على أهمية الوعي القانوني لدى المواطنين في التعامل مع عناصر الشرطة عبر الالتزام بالهدوء واحترام الإجراءات وتقديم الوثائق المطلوبة دون توتر أو جدال، مع اللجوء لاحقاً إلى الطرق القانونية في حال الاعتراض، وتوثيق أي تجاوز محتمل من خلال تسجيل تفاصيل الحادثة والشهود، مؤكداً أن المواطن يجب أن يحافظ على موقعه القانوني ويترك للقضاء مهمة محاسبة أي تجاوز.
من جهته قال الناشط “محمد المحمد” إن بعض المناطق تشهد حوادث اعتداء لفظي أو تهجم على دوريات الأمن الداخلي أثناء أداء مهامها ما يؤدي غالباً إلى تدخل الشرطة وتوقيف المعتدين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، وأضاف أن انتشار السلاح والفوضى الأمنية أسهما في تطور بعض الخلافات الفردية بين عناصر تتبع لوزارات مختلفة مثل الدفاع والداخلية إلى اشتباكات استخدمت فيها أسلحة وقنابل أحياناً، مشيراً إلى أن هذه التطورات تعكس حالة من التوتر الناتج عن الضغوط المعيشية المتراكمة وتداعيات الحرب وانتشار السلاح وتعدد الجهات الأمنية والعسكرية في البلاد، مؤكداً ضرورة إنزال أقسى العقوبات بحق كل من يعتدي على العناصر الأمنية ليكون عبرة لكل من يحاول التطاول على الشرطة أو استغلال صفة أمنية مزعومة لتحقيق مكاسب خارج إطار القانون.