سوريا 360- دمشق
“عيد بأية حال عدت يا عيد”.. بيت قاله المتنبي قبل أكثر من 1000 عام، لكنه يبدو وكأنه كتب للسوريين في لحظتهم الراهنة، وهم يستقبلون عيد الأضحى وسط واقع اقتصادي يزداد قسوة، وقدرة شرائية تتآكل يوما بعد يوم، وفوارق صارخة في الرواتب، فيما تعيش شريحة واسعة بلا أي دخل ثابت.
عيد يأتي محملا بالأسئلة أكثر مما يأتي بالفرح، وتتحول طقوسه لدى كثيرين إلى محاولة للتشبث بما تبقى من معنى العيد، لا احتفالا بقدومه، وهكذا يغدو هذا العيد مرآة صافية تعكس عمق الأزمة المعيشية التي تطحن البلاد.
موائد ناقصة
في الأسواق، ترتفع أسعار اللحوم والأضاحي إلى مستويات تفوق قدرة معظم العائلات، فثمن الخروف الواحد بات يتجاوز طاقة الموظف الذي لا يتعدى راتبه 130 دولارا شهريا، وهو حال غالبية العاملين في القطاع العام.
كثيرون باتوا يكتفون بشراء كميات ضئيلة من اللحم، أو الاستغناء عنه كليا، فيما تحولت الأضحية إلى طقس غائب عن معظم البيوت التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.
فوارق الرواتب
وتظهر الفوارق بوضوح بين فئات الموظفين، فالقادمون من إدلب يتقاضون رواتبهم بالدولار، ما يمنحهم قدرة شرائية أعلى بكثير مقارنة بغيرهم، كما شهدت وزارات الصحة والتعليم العالي والتربية مؤخرا زيادات معتبرة في الرواتب، وضعت موظفيها في وضع أفضل نسبيا.
لكن هذه الفئات تبقى محدودة، بينما يعيش معظم الموظفين برواتب لا تتجاوز 130 دولارا، في حين تعتمد شريحة أخرى بالكامل على أعمال متقطعة بلا دخل ثابت، وقد ولد هذا التفاوت شعورا متزايدا باللاعدالة، إذ يرى كثيرون أن السياسات الحكومية لم تنجح في تحقيق توازن يضمن الحد الأدنى من المعيشة لجميع العاملين.
اقرأ أيضا: حلب..أسواق العيد بانتظار الرواتب
أسواق مزدحمة.. وجيوب فارغة
ورغم الازدحام الظاهر في الأسواق، تبقى الحركة الشرائية ضعيفة، إذ يؤكد الباعة أن الناس يتجولون أكثر مما يشترون، وأن أسعار الملابس ارتفعت بشكل كبير، ما جعل كسوة العيد عبئا ثقيلا على الأسر، فالناس تريد أن تفرح أطفالها، لكن الأسعار تتجاوز قدرتها.
طقوس العيد التي كانت تجمع العائلات حول موائد عامرة أصبحت اليوم أكثر تواضعا، كثير من الأسر يستغني عن الحلويات الجاهزة ويلجأ لصنع كميات بسيطة في المنزل، بينما تقلصت الزيارات العائلية مراعاة لظروف الآخرين وتجنبا لإحراجهم.
حتى الأطفال، الذين كانوا ينتظرون العيد بشغف، باتت فرحتهم منقوصة، فالعيدية التي كانت تمنحهم مساحة صغيرة للبهجة لم تعد تتجاوز مبالغ رمزية لا تكفي لشراء لعبة أو قطعة حلوى، أما العائلات التي لا تملك دخلا ثابتا، فالعيد بالنسبة لها ليس مناسبة للاحتفال، بل اختبار قاس لقدرتها على الصمود.
عيد بطعم الصبر
ورغم كل الصعوبات، يحاول السوريون الحفاظ على روح العيد، فبعضهم يكتفي بالحد الأدنى من الطقوس، وآخرون يركزون على الجانب الاجتماعي والروحي للعيد بعيدا عن مظاهره المادية.
وتبقى الحقيقة أن القدرة الشرائية المنهارة، والفوارق الكبيرة في الرواتب، وغياب الدخل لدى شريحة واسعة، تجعل عيد الأضحى هذا العام اختبارا جديدا لصلابة المجتمع السوري. ومع ذلك، يظل العيد بالنسبة لكثيرين مساحة للأمل أكثر منه مناسبة للاستهلاك، أمل بأن تحمل الأيام المقبلة واقعا أفضل، أو على الأقل عبئا أخف.
![]()