سوريا 360- جمعة الجاسم
رضخت وزارة الخارجية والمغتربين لضغوط السوريين والمطالبات الإعلامية بإقالة “إدريس ميا” سفير المخلوع “بشار الأسد” لدى سلطنة عمان، حيث أصدرت في أواخر نيسان/أبريل الماضي قرارا يقضي بإنهاء مهامه الدبلوماسية بشكل نهائي.
وينتمي “ميا” إلى عائلة أمنية معروفة بولائها المطلق للمخلوع، فهو شقيق العميد “سهيل ميا”، الذي قاد عمليات عسكرية واسعة خلال سنوات الثورة في منطقتي “الزبداني” و”مضايا”، والمتهم بارتكاب جرائم حرب في تلك المناطق، ناهيك عن تورطه في عمليات نهب ممنهج لملايين الدولارات، وتعفيش منازل المدنيين بشكل تعسفي.
إقالة قبل انتهاء الولاية
“إدريس ميا” كان قدم أوراق اعتماده الرسمية للسلطان “هيثم بن طارق” في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ووفقا للأعراف الدبلوماسية المتبعة في وزارة الخارجية، فإن المدة المعتمدة لمهمة السفير تمتد لـ 4 سنوات ميلادية كاملة، ما يعني أن قرار إنهاء مهامه جاء مبكرا بنحو 6 أشهر قبل انتهاء ولايته الدبلوماسية المقررة.
ويلاحظ أن الجانب العماني سعى جاهدا لإيجاد مخرج دبلوماسي لائق لهذه القضية، حيث استقبله كل من وزير المكتب السلطاني “سلطان النعماني”، ووزير الخارجية “بدر البوسعيدي”، ونوها في إطار البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة، بجهوده خلال فترة عمله في تعزيز أواصر العلاقات الثنائية بين البلدين.
وكانت إحدى المنصات الإعلامية السورية نشرت في ربيع 2025 خبرا مضللا ادعت فيه أن “إدريس ميا” تقدم بطلب لجوء إنساني لدى السلطات العمانية، قبل أن تتضح الحقائق لاحقا، وتثبت أنه ما يزال يمارس مهامه كسفير معتمد، ويتحرك بكل حرية واطمئنان، ممثلا لسوريا الجديدة بنفس الطريقة التي مثل بها المخلوع.
![]()
“ميا” يحضر لقاء مدير إدارة الشؤون العربية مع المسؤول العماني 8-1-2026
اقرأ أيضا: الملف الكامل لفلول المخلوع في السفارات السورية
مفارقة بلا تفسير
وانفردت منصة “سوريا 360” بنشر تقرير استقصائي في 9 كانون الثاني/يناير الماضي يؤكد استمرار “ميا” في منصبه كسفير، رغم مرور 13 شهرا على سقوط المخلوع وتحرير سوريا، حيث ظهر خلال استقبال وكيل وزارة الخارجية العمانية “خالد المصلحي” لمدير إدارة الشؤون العربية في الخارجية السورية “محمد طه الأحمد”، وفق ما نشرته الخارجية العمانية رسميا على قنواتها الإعلامية.
وما أثار الانتباه حينها أن الصفحة الرسمية لسفارة سوريا في مسقط تجاهلت تماما ذكر اسم “ميا” عند نشرها خبر اللقاء الدبلوماسي، ولم تشر بأدنى إشارة إلى حضوره أو مشاركته، في مؤشر واضح ودال على حرصه الشديد على إخفاء تحركاته وأخباره، وكل ما من شأنه تأكيد استمراره في منصبه الحساس.
وفي 2 نيسان/أبريل الماضي، نشرنا مادة تحقيقية ثانية سلطت الضوء على تجاهل وزارة الخارجية لإبقاء “ميا” سفيرا في مسقط، التي وصل إليها مباشرة من هافانا بعد أن أمضى 5 خمس سنوات كاملة سفيرا لدى كوبا (2017 و2022)، دون أن يستدعى إلى دمشق كما جرت العادة في البروتوكول الدبلوماسي، ما يعني أنه كان على وشك إتمام 9 سنوات متواصلة في منصبه الدبلوماسي، وهو ما يمثل خرقا واضحا للأعراف الدبلوماسية، لا بد أن وراءه دوافع وأسباب خفية تستدعي التمحيص والتدقيق.
![]()
ابنة “قدسية” باقية وتتمدد!
وبانتهاء مهامه الرسمية، تطوى صفحة “ميا” كسفير إلى غير رجعة، بعد أن دافع عن المخلوع بكل ما أوتي من قوة ونفوذ، لكن لا تزال في أروقة سفارة مسقط شخصية لا تقل خطورة وتشبيحا عنه، ألا وهي “فتوح قدسية”، ابنة وحش المخابرات اللواء “عبد الفتاح قدسية”، ولا حاجة هنا لاستعراض السيرة الذاتية له، فهي موثقة ومتداولة على نطاق واسع، لكن المثير للاستغراب أن ابنته لا تزال تمارس مهامها كمستشارة بمرتبة وزير في السفارة، وكأن “الأسد” لم يسقط بعد.
واليوم، تعود سفارة سوريا في مسقط إلى أحضان أبناء الثورة، لتصبح ممثلة حقيقية وطموحة للسوريين جميعا، لا وكرا للمخابرات لإرهاب المغتربين السوريين كما كانت عليه السفارات في زمن المخلوع، حيث تسلم الدبلوماسي المخضرم “خالد الأيوبي” مهامه رسميا كقائم بالأعمال، وهو دبلوماسي منشق يتمتع بخبرة واسعة، كانت آخر مهامه في سفارة سوريا بلندن قبل إغلاقها عام 2012 على خلفية قمع المخلوع للحراك الثوري ضده.
معركة تطهير السفارات
ويعد “الأيوبي” واحدا من بين 19 دبلوماسيا منشقا أعادتهم وزارة الخارجية إلى عملهم في 3 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ضمن خطة استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة تنظيم البعثات الدبلوماسية في الخارج، بهدف تحسين وتطوير علاقات سوريا مع دول كانت على خلاف مع المخلوع، مستفيدة من خبرات هؤلاء الدبلوماسيين المتميزة وعلاقاتهم الدولية الواسعة التي يمكن أن تسهم بشكل فاعل في استعادة حضور سوريا المؤثر على الساحة الدولية والإقليمية.
ويبقى الأمل معقودا والرهان كبيرا على الشروع بعملية تطهير شاملة لجميع سفارات سوريا من السفراء والموظفين المحسوبين على المخلوع، الذين دافعوا عنه بشراسة حتى اللحظة الأخيرة، بل واستمر بعضهم في مناصبهم الحساسة حتى بعد التحرير، في مفارقة غامضة لا يجد تفسيرا منطقيا لها سوى وزارة الخارجية نفسها، التي أبقت عليهم رغم علمها المسبق بتاريخهم الحافل في خدمة المخلوع، وترويجهم لروايته المضللة التي حاولت طمس الحقائق وتشويه صورة الثورة السورية العادلة.