سوريا 360 – دمشق
كشف استطلاع رأي حديث أجراه المركز السوري لدراسات الرأي العام (مدى)، عن تباين لافت في توقعات السوريين من التغييرات الحكومية الأخيرة، وتصنيفات مختلفة لأداء الوزراء، مع تصدر الملف الاقتصادي أولويات المواطنين للمطالبة بالإصلاح.
وجاء الاستطلاع الذي شمل 1020 مواطنا سوريا داخل البلاد وخارجها خلال الفترة 7-10 أيار/مايو 2026، ليسلط الضوء على نبض الشارع في ظل التعيينات الجديدة التي أصدرها الرئيس الانتقالي “أحمد الشرع” مطلع الشهر الجاري.
بين الاستقرار والإقصاء
وفي سؤال حول تعيين الشخصيات المقربة من “هيئة تحرير الشام” في المناصب القيادية الحالية، توزعت آراء المستجيبين على 4 محاور رئيسية:
34% يرون أن هذا التوجه سيساهم في استقرار البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
30% يعتبرون أنه يساهم بشكل متوسط في عملية الاستقرار.
27% يصفونه بأنه حالة إقصاء للكفاءات والخبرات السورية.
9% فقط يرون أنه يمثل شكلا من أشكال الركود الإداري.
وكشف التحليل عن فجوة واضحة بين المقيمين داخل سوريا وخارجها، فبينما اعتبر 23% من المقيمين في الخارج أن تعيين المقربين من السلطة يؤدي للاستقرار، لم تتجاوز النسبة 11% بين سكان الداخل، فيما ارتفعت نسبة من يرون في هذه التعيينات “إقصاء للكفاءات” بين المقيمين في الداخل إلى 11% مقابل 16% في الخارج.
ويفسر محللون هذا التباين بأن النجاحات الدبلوماسية التي حققها وزير الخارجية “أسعد الشيباني” المقرب من الرئيس “الشرع” في إعادة سوريا للخريطة الدولية، تعد مؤشرا إيجابيا للاستقرار من وجهة نظر المغتربين، بينما يرى سكان الداخل أن تنوع الخبرات التي اكتسبها السوريون في دول اللجوء لم يستفد منها بالشكل الكافي.
إحباط وانتظار
وعند سؤال المشاركين عن شعورهم في حال بقاء أكثر من 50% من المسؤولين في مناصبهم، وهو ما تشير إليه المعطيات الحالية- جاءت النتائج كالتالي:
28% عدم الثقة بجدوى التغيير
28% الإحباط بسبب تكرار ذات الشخصيات
26% المدة غير كافية للحكم على الإنجاز (تفضيل الانتظار)
18% تفاؤل بسبب خبرة المسؤولين الحاليين
وتشاركت عينتا الداخل والخارج في نسب الإحباط وعدم الثقة، لكن الفروق ظهرت جليا عند فئة “المتفائلين بخبرة المسؤولين”، حيث ارتفعت النسبة إلى 13% بين المقيمين في الخارج مقابل 5% فقط في الداخل.
اقرأ أيضا: المالية تتوقع ارتفاع النمو الاقتصادي إلى 10%
أولويات التغيير
وعلى صعيد القطاعات الأكثر حاجة للتغيير، جاء الملف الاقتصادي في صدارة الأولويات بنسبة قاربت النصف 47%، شاملا الرواتب والأسعار وفرص العمل، تليه المطالبة بتغيير جذري وشامل في كل القطاعات بنسبة 29%.
أما القطاعات الأقل مطالبة بالتغيير، فكانت:
الخارجية: أقل من 1%
الأمن: 3%
الإعلام: 6%
التعليم: 7%
الخدمات: 8%
وبحسب التقرير، يعكس السخط على الملف الاقتصادي التفاوت الصارخ بين أسعار المواد الاستهلاكية ومتوسط دخل الفرد، وغياب السياسات الاقتصادية الواضحة، ولا سيما في مجالي الاستيراد والتصدير، وآخرها الارتفاع الاعتباطي لأسعار المشتقات النفطية.
“الشيباني والصالح الأفضل”
وفي تقييم أداء الوزراء، احتل وزير الخارجية “أسعد الشيباني” المرتبة الأولى بنسبة 46%، بفضل إعادة سوريا للخريطة الدولية وإبرام شراكات سياسية واقتصادية، تلاه وزير الطوارئ وإدارة الكوارث “رائد الصالح” بنسبة 28%، ثم وزير الصحة “مصعب العلي” ثالثا بـ 12%.
وكشف التفصيل الجغرافي عن إجماع داخلي وخارجي على نجاح الملف الدبلوماسي (23% من كل عينة)، بينما تباينت التقييمات في وزارتي الطوارئ والصحة:
وزير الطوارئ: 19% من الخارج مقابل 9% من الداخل.
وزير الصحة: 9% من الداخل مقابل 3% من الخارج.
وزير الداخلية: 6% شعبية في الداخل فقط، دون أي ذكر في عينة الخارج.
ويعزو التقرير هذا التباين إلى قرب سكان الداخل من التفاصيل اليومية للخدمات الصحية، وتأثير السمعة السابقة لـ “رائد الصالح” كمدير للدفاع المدني (الخوذ البيضاء) قبل توليه المنصب الحكومي.
اقرأ أيضا: تقرير أممي: العدالة وإصلاح الأمن شرطان لنجاح الحكومة السورية
مزاج شعبي متشكك
فجوة التوقعات: يميل المقيمون في الخارج للتفاؤل بخبرة المسؤولين الحاليين أكثر من سكان الداخل الذين يعيشون تفاصيل الخدمات والأسعار يوميا.
تشاؤم من التغيير الجذري: 48% يتوقعون تغييرات محدودة، و36% يتوقعون “إعادة تدوير” للشخصيات، والغالبية ترى أن التغيير لن يشمل أكثر من 25% من الوزراء.
الكتلة الصلبة: يرى 34% أن تعيين المقربين من السلطة يساهم في الاستقرار، بينما يعتبره 27% إقصاء للكفاءات.
مزاج شعبي متشكك: 56% من العينة يشعرون إما بـ”الإحباط” أو “عدم الثقة” في حال بقاء أكثر من نصف المسؤولين في مناصبهم.
الأولوية الاقتصادية: 47% يضعون الملف الاقتصادي (الرواتب، الأسعار، فرص العمل) كأولوية قصوى للتغيير.
إجماع على النجاحات: اتفاق واسع على نجاح وزارة الخارجية والطوارئ والقطاع الصحي كأنجح الملفات الحكومية حتى الآن.
العبرة بالنتائج وليست بالأسماء
وتشير النتائج إلى أن الرغبة الحقيقية في التغيير والمشاركة، وهي من المطالب الأساسية للثورة السورية، لا تزال حاضرة في وعي المواطن، لكنها تصطدم بواقع معيشي صعب ووعود لم تترجم إلى تحسين ملموس في الدخل والخدمات.
ووفقا لبيانات البنك الدولي، يعيش 92% من السوريين تحت خط الفقر، ولم تشهد الحياة اليومية تحسنا يذكر رغم الزيادات المتتالية في الرواتب منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة المطالبة بالإصلاح الاقتصادي فوق أي قطاع آخر.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى التغييرات الحكومية الأخيرة اختبارا لمصداقية المرحلة الانتقالية في الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “مرحلة التعافي”، حيث سيكون الحكم النهائي للأرقام والنتائج على الأرض، وليس للأسماء والتصريحات.