سوريا 360 – الحسكة – محمد الحسون
على بعد نحو 65 كيلومترا غرب مركز محافظة الحسكة، تنتشر قرى صغيرة عند أقدام جبل عبد العزيز في مساحة تبدو معزولة تماما عن محيطها منذ خروجها عن سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مطلع العام الجاري، وسط غياب الخدمات وضعف البنية التحتية وإغلاق الطرق باتجاه أقرب المدن الرئيسية، وهي “تل تمر“.
وكانت مجموعة من القرى قرب السفوح الشمالية لجبل “عبد العزيز” (تابعة إدارياً لرأس العين) قد خرجت عن سيطرة “قسد” منذ 18 كانون الثاني يناير، عقب إعلان اتفاق لوقف القتال مع القوات الحكومية لبدء عملية “الاندماج”، وتشمل هذه القرى (البديع، خربكة العين، خربكة العجيل، أبو فخيذ، العلكانة، القرن، السويسة، الضبيب، ومبروكة الضبيب، وأم حجرة، وصفيان، والمشيرفة)، إضافة إلى قرى (الحزومية، المبطوح، والمغر) القريبة من نقاط التماس مع “قسد“، المسيطرة على قرية “الغرة” ومركزها الصحي ونبعها وباقي القرى المجاورة، ما يقطع الطريق نحو بلدة “تل تمر”.
غياب الخدمات
قال رئيس بلدية “البديع” (محمد الشبلي) لـ “سوريا 360” : “إن منطقة جبل عبد العزيز تعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية”، مشيراً إلى أنها تبعد أكثر من 60 كيلومتراً عن مركز محافظة الحسكة، وتضم أحد أكبر التجمعات السكنية في ريفها، وهو تجمع قرى “البديع”.
وأوضح “الشبلي” أن المنطقة “تفتقد إلى أبسط الخدمات من الناحية الصحية والتعليمية وفرص العمل”، مضيفاً أن أزمة مياه الشرب تُعد من أبرز التحديات، إذ لا تتوفر مصادر كافية وصالحة للاستخدام.
ودعا إلى تدخل الجهات المعنية لتحسين واقع المنطقة، سواء من حيث التعليم أو الصحة أو خلق فرص عمل للشباب، مشدداً على أهمية دعم قطاعي الزراعة وتربية الحيوانات، اللذين يشكلان المصدر الرئيسي لدخل السكان.
وأشار إلى أن تراجع الثروة الحيوانية بسبب الجفاف ونقص الأعلاف والأدوية البيطرية انعكس سلباً على معيشة الأهالي، مؤكداً أن المنطقة “تفتقر إلى أساسيات الحياة”؛ إذ لا يوجد مركز صحي، ولا يوجد تعليم نموذجي كما هو مطلوب.
![]()
اقرأ أيضا: استهداف علم في القامشلي يشعل توترا في الحسكة
التعليم والمدارس
وفي ما يتعلق بالتعليم، لفت إلى غياب البنية التحتية المناسبة، موضحاً أن العملية التعليمية تتطلب توافر المدرسة والمعلم والمتعلم والأسرة، إلى جانب بيئة آمنة، وهي عناصر غير مكتملة حالياً في المنطقة.
وأكد “الشبلي” الحاجة إلى إنشاء أبنية مدرسية وتأهيل القائم منها، بهدف توفير بيئة تعليمية ملائمة للأطفال، معتبراً أن التعليم “يشكل أساس الحياة” في ظل التحديات التي تواجه المنطقة.
وكان المكلف بإدارة المجمع التربوي في منطقة رأس العين “عبد الله السالم“، قد قال خلال زيارة لتقييم واقع المدارس وحصر الأضرار والاحتياجات الأساسية، إن بعض القرى تفتقر بشكل كامل إلى مدارس، مشيراً إلى أن غرفاً تعليمية مسبقة الصنع “أُزيلت خلال فترات سابقة”، ما حرم الطلاب من التعليم لسنوات.
وأضاف أن مدارس أخرى تعرضت لعمليات تخريب واسعة، وتفتقر إلى الأبواب والنوافذ والأثاث المدرسي والمعدات الأساسية، ما يجعل استعادة العملية التعليمية أمراً صعباً.
وأوضح أن أكثر من 25 قرية كانت تعتمد على نحو 8 مدارس في المنطقة، حيث كانت كل مدرسة تخدم ثلاث إلى أربع قرى، ما يبرز حجم الفجوة التعليمية الحالية والحاجة الملحة لإعادة تأهيل هذه المؤسسات.
من جهته، قال مدير مدرسة البديع “حامد الخزام“، إن العملية التعليمية متوقفة منذ نحو عشر سنوات، مشيراً إلى أن المدارس “خالية تماماً من الأثاث والمستلزمات الأساسية”. وأضاف أن عدد الطلاب في مدرسته يتجاوز 200 طالب، في ظل غياب البنية التحتية اللازمة لاستيعابهم.
وقال أحد سكان قرية “البديع” (والد طفل يبلغ 6 سنوات) لـ “سوريا 360 “: “نناشد الجهات المعنية النظر في واقع المنطقة بشكل عام، وقرية البديع بشكل خاص، إذ إن الوضع هنا مأساوي، خاصة في قطاع التعليم”.
وأضاف الرجل: “طفلي، الذي لا يتجاوز عمره ست سنوات، يضطر لقطع مسافة تتراوح بين خمسة وستة كيلومترات للوصول إلى أقرب مدرسة، وهو أمر يفوق قدرته اليومية في ظل غياب وسائل النقل”.
وأضاف: “كما نعاني من صعوبة تأمين الكوادر التعليمية داخل القرية، في وقت لا تتوفر فيه بنية مدرسية كافية”، مشيراً إلى إمكانية توفير غرفة في هذه القرى تُستخدم كمدرسة في حال تأمين معلم واحد.
![]()
اقرأ أيضا: محطة علوك.. حل إسعافي يتحول إلى مصدر لمياه الحسكة
القطاع الصحي
إلى جانب ذلك، يفتقر السكان إلى الخدمات الصحية، إذ يبعد أقرب مركز صحي ما بين 30 و40 كيلومتراً في مدينة رأس العين، ما يشكل خطراً حقيقياً على حياة المرضى في الحالات الطارئة، الذين يُنقلون أحياناً إلى الرقة، وفق الرجل.
وتابع أن الوضع المعيشي شديد الصعوبة، في ظل محدودية الموارد وارتفاع تكاليف الحياة، مضيفاً أنهم يضطرون إلى قطع مسافات طويلة، تصل إلى نحو 40 كيلومتراً، لتأمين مياه الشرب والخبز.
وأعرب عن أمله في أن تستجيب الجهات المعنية لهذه المطالب، وأن تنظر بجدية إلى أوضاع السكان، بما يضمن الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، في جميع قرى الجبل بغض النظر عن السيطرة بينها: “صفيان، الكَرْن، البديع، المطبوخ، حسجة الكنعي، الجفر، الهشي، عالية، أبو جرادي، مختلة، أبو كبرى، تل المغر، الحزومية، خراب الزرع، والغرة، إضافة إلى مشيرفة، الطرقة، والصيرة”.
ورغم فتح الطرق نحو مدينة “رأس العين” منذ بداية العام، لم يستفد سكان هذه القرى من خدمات المشفى الوطني، في ظل نقص واضح في الكوادر الطبية المؤهلة، ما أدى إلى شبه توقف العمليات الجراحية بعد انسحاب الهلال الأحمر التركي وتوقف رواتب الكادر، في حين لم تقدّم الحكومة السورية دعماً كافياً للمشفى من حيث الكوادر أو الأدوية أو حتى رواتب الموظفين، ما أدى إلى تراجع كبير في مستوى الخدمات.
وما زال عدد من أفراد الكادر الطبي في المشفى الوطني يعملون داخل غرف العمليات رغم حيازتهم شهادات تعليم أساسي فقط، في وقت يفتقر فيه المشفى إلى أطباء اختصاصيين وأصحاب خبرة بسبب عدم وضوح الرؤية لمستقبل المستشفى القريب.
كما تعطلت خدمات العيادات الخارجية والمخبر، مع اقتراب مخزون الأدوية من النفاد.
ويطالب الأهالي وزارة الصحة السورية بالتدخل العاجل لدعم المشفى والمراكز الصحية، عبر توفير كوادر طبية مؤهلة وإعادة تفعيل الخدمات الأساسية، محذرين من أن استمرار نقص الخبرات يدفع إلى الاعتماد على ممرضين بمستويات تعليمية محدودة للعمل في أقسام حساسة كغرف العمليات.
لكن، حتى الآن، تبدو هذه النداءات معلقة في فراغ إداري وسياسي يقوم على التكليف المؤقت للمسؤولين دون رواتب أو تقديم أي دعم للبلديات والقطاعات الأخرى.