سوريا 360- إيثار عبدالحق
أوﻻـ “أمجد” يقول اليوم إنه قتل تقريبا 40 شخصا، بينما اعترف أمام فريق التقصي وبكامل إرادته أنه قتل الكثير إلى درجة أنه ﻻ يستطيع إحصاء من قتلهم، وقد وصل العدد حسب من حققوا في المجزرة إلى 288 ضحية.
ثانياـ “أمجد” يقول اليوم إن المجزرة التي ارتكبها تمت بطريقة تشبه الصدفة، بينما اعترف قبل سنوات أنه فعل ذلك “انتقاما” ﻷخيه، وأنه فخور بما فعل.
ثالثا ـ”أمجد” لم يأت إطلاقا على قتله 7 نساء محجبات وﻻ ذبحه أطفالا ورضعا، ولم يبح بما رافق جريمته من تعليقات وشتائم كشفت البعد الأبشع للمجزرة.
رابعاـ “أمجد” لم يقر في أقواله أمام الداخلية بأنه قطع رأس أحد المسنين، ولا لماذا فعل ذلك.
خامساـ “أمجد” يقول اليوم إنه ارتكب المجزرة بقرار شخصي منه، فيما سبق للضابط “جمال الخطيب” أن قال إنه رئيسه، وإن بإمكانه قتل أي إنسان في الشارع.
سادساـ والد “أمجد” عنصر مخابرات سابق، ومع ذلك بقي طليقا.
يتذكر جميع من تابعوا قضية “أمجد يوسف” بدقة، أن هذا اﻻسم لم يكن مطروقا لدى السوريين وﻻ غيرهم قبل 27 نيسان 2022 اليوم الذي نشرت فيه “ذي جادريان” و “نيوﻻينز مجازين” عن مجزرة التضامن، بعد أن تمكنت الباحثة “أنصار شحود” من التواصل مع “أمجد” وإقناعه بالحديث عما اقترف.
لم يكن “أمجد” الوحيد الذي نجحت “شحود” في التواصل معه من رجال المخلوع، فقد وصل عددهم إلى أكثر من 500 مسؤول من مختلف المستويات، لكنها ركزت على “أمجد” بعد أن تيقنت أنه نفس الشخص الذي ظهر بوجهه في إحدى مقاطع المجزرة التي حصلت عليها.
ورغم أن التقرير الذي نشرته “نيوﻻيز” كان بقلم “شحود” وشريكها في التقصي “أوغور أوميت أونجور”، وكان أكثر تفصيلا ودقة، فإن ما الذي نشرته “ذي جارديان” بقلم “مارتن شولوف” استحوذ على الصدى اﻷعظم، ربما لشهرة الصحيفة البريطانية وتاريخها، مقارنة مع “نيوﻻيز”.
اقرأ أيضا: مطالب باعتقال شريكي جزار التضامن
روتين ممتع
كان محتوى مقال “نيوﻻينز” واضحا منذ البداية، فقد أفادت “شحود” وشريكها “أونجور” أن عدد ضحايا مجزرة التضامن هو 288 مدنيا، وأن مجموع مقاطع المجزرة يبلغ 27 مقطعا، وأن المقاطع وصلت إلى فريق التقصي عام 2019، وقد استغرق العمل عليها وانتزاع اعترافات “يوسف” مدة عامين.
وقد أكد التقرير حرفيا أن أمجد يوسف وشريكه نجيب الحلبي (قتل عام 2015) ظهرا في 3 مقاطع منفصلة تخص مجزرة التضامن، مدة كل مقطع منها نحو 7 دقائق، وتوثق قيام اﻻثنين بإعدام 41 مدنيا.
ووصف التقرير بدقة محتوى المقاطع، وأنها كانت تظهر القاتلين (يوسف والحلبي) وهما “مستمتعين” بما يقومان به، ويطلقان النار بطريقة تبدو “روتينية” أي جزءا من سلوك معتاد.
ومضى الباحثان اللذان كشفا المجزرة للعالم قائلين: “من الواضح أن الجناة قد هيأوا موقع الإعدام بشكل مثالي، دون أي عوائق، ليس فقط لإعدام الضحايا، بل لحرق جثثهم وإخفاء آثارهم. كانوا على دراية تامة بموقع المجزرة، يقتلون في وضح النهار، مما يوحي بسيطرتهم الكاملة على المنطقة. لم يبدُ عليهم أي تسرع في إتمام المهمة، ولا أي قلق من أي تهديدات”.
“أمجد” بالذات كان يتلذذ بقتل الضحايا وإهانتهم حتى وهو يجهز عليهم، فبعد إطلاق رصاصتين باتجاه أحد ضحاياه استاء “أمجد” وأطلق رصاصة إضافية معقبا: “موت يا عر.. ما كفاك”، ﻻ بل إن هناك من سأل في أحد تلك المقاطع إن كان هناك “حدا تاني” لم يقتلوه بعد.
“فداء لنعيم”
يؤكد تقرير “شحود” و”أونجور” أن الجناة ظهروا في ساحة المجزرة بزيهم الرسمي، وهذا يعني أنهم كانوا يؤدون “واجبهم”، كما إنهم بدوا مسترخين ومبتسمين، وأن “يوسف” نفسه ظهر وهو يقود جرافة استخدمت لحفر القبر الجماعي وﻻحقا لردمه، وأن ملابس الضحايا، بما فيها “البيجامات” توحي بأنهم مدنيون وأن منهم من اقتيد من بيته، وأن هيآتهم ﻻ توحي بأنهم كانوا معتقلين في سجون المخلوع، إذ ﻻيبدو عليهم أي هزال أو آثار تعذيب.
وقد قُتل كل هؤﻻء بالرصاص، باستثناء رجل مسن، تولى “أمجد” قطع رأسه!
ويخصص التقرير فقرة للحديث عن “الضحايا السبع الوحيدات، ممن يرتدين الحجاب والمعاطف التي تميز زي النساء المسلمات المحافظات”، واللواتي قتلن بـ”وحشية وكراهية لم يُظهرها القتلة للضحايا من الرجال”، حيث يترافق إعدام إحداهن مع شتائم جارحة “ش..” (شحود وأنجور أوردا الشتيمة بحرفيتها في التقرير)، ثم “تم سحبها من شعرها وألقيت في الحفرة”، بينما تصرخ امرأتان بحدة عندما يركلهما “أمجد” إلى حفرة القبر الجماعي ويُعدمهما.
وحسب تأكيدات الباحثين فإن هناك مقطعا من بين مقاطع المجزرة، ترصد فيه الكاميرا “مجموعة من الأطفال القتلى، من بينهم رضع طُعنوا أو أُطلق عليهم النار، يرقدون في غرفة مظلمة” بينما يعلق المصور: “أطفال أكبر الممولين من حي ركن الدين، فدا لروح الشهيد نعيم يوسف”.
وسيتضح سريعا أن “نعيم يوسف” الذي قٌتل هؤلاء اﻷطفال “فداء” له، إنما هو شقيق “أمجد” الذي لقي مصرعه مطلع 2013، وأن “أمجد” نفسه باح في مكالمة بالصوت والصورة أجراها مع “شحود” (كانت متخفية تحت اسم آنا)، فقال: “لقد انتقمت، لا أكذب عليك، لقد انتقمت، قتلت. قتلت الكثير. قتلت الكثير، لا أعرف كم قتلت”، وقد قال هذه العبارات عندما تطرق الحديث إلى ظروف مقتل أخيه “نعيم”، بينما كان جالسا في بيته على اﻷريكة.
وحتى عندما واجهت “شحود” الجزار بالمقطع الفظيع، قال في النهاية إنه هذا كان واجبه، مضيفا: “أنا فخور بما فعلت”.
القتل أسهل الخيارات
تؤكد “شحود” وشريكها أنهما نجحا في التواصل مع “جمال الخطيب” وهو أعلى مسؤول مخابراتي توصلا إليه، حسب وصفهما، وأن الخطيب قال لهما بوضوح إنه رئيس أمجد يوسف، واصفا إياه بأنه “بطل وأخ شهيد وراسه كبير”.
ومن ضمن ما أدلى به “الخطيب” وهو يحاول دفع تهمة تعذيب وتصفية المعتقلين في السجون، قوله إن بإمكانه أن يقتل من يريد في الشارع، فلماذا يعتقله ويتكبد مشقة حراسته وتكاليف إطعامه، بل وحتى إعطاءه رقما متسلسلا، ثم قتله إن كان يستطيع اختصار كل تلك المراحل بقتله مباشرة في “أرضه”!
وأخيرا ينبغي التذكير أن تقرير “نيوﻻينز” أشار صراحة إلى أن والد أمجد يوسف هو “شيخ علوي وعنصر استخبارات سابق”، وعليه فإن عدم القبض على والد أمجد بعد سقوط المخلوع يشكل علامة استفهام لافتة، حيث بقي طليقا حتى تم القبض عليه بتهمة مع ابنه التستر عليه.
أدلى “أمجد” بكل أقواله السابق عن “فخره” وعن “قيامه بواجبه” وهو في كامل أهليته واسترخائه، على أساس أنه يتحدث مع شخص مؤيد يريد تفهم دوافعه، بينما خرج بـالبدلة المخططة باعترافات و أقوال ﻻ تشابه وﻻ تتقاطع مع تلك التي أخبرها لـ”شحود”.
واﻵن نترككم مع ملخص ما قاله “أمجد” في الشريط الذي وثق ملخص اعترافاته، ونترك لكم المقارنة:
“أنا بقرار من نفسي ما عندي مهمة عسكرية، ما في رتبة عسكرية أعطتني أمر.. ضابط أو لواء”
“أنا ما اخترت الضحايا، ما هو اختياري العدد 40، هيك تكونت الظروف وانخلق العدد.. ما اخترناهم، اطلع جيب فلان من الناس عليه معلومات، انكتب في تقرير إنه مع المسلحين”.