سوريا 360 – وليد سليمان- خاص
في ملفات الجرائم الكبرى، لا تموت الحقيقة، بل تنتظر لحظة الظهور، فبعد أكثر من عقد على وقوعها، تعود “مجزرة المغسل” إلى الواجهة، لا عبر شهادات متفرقة هذه المرة، بل من خلال مقاطع مصورة التقطت في لحظات الجريمة نفسها. مشاهد صادمة، وأصوات تتردد في الخلفية، وأسماء بدأت تتقاطع مع وجوه حاضرة في المكان، كلها تعيد رسم تفاصيل واقعة ظلّت لسنوات طي النسيان.
هذه المقاطع، التي كشف عنها وأعاد ناشطون تداولها مؤخرا، لا تفتح باب الأسئلة فقط حول ما جرى في ضاحية “سكا” عام 2012، بل تضع أيضا فرضيات جديدة أمام المحققين والمهتمين: من كان في الموقع؟ من أعطى الأوامر؟ وهل هناك آخرون لم توثق الكاميرا إجرامهم؟
في هذا التقرير، نحاول تتبّع الخيوط الأولى لقضية عادت من الأرشيف، حيث تتحول اللقطات الصامتة إلى أدلة وقد تقود، أخيرا، إلى الحقيقة.
بدم بارد
المقاطع التي انتشرت مؤخرا توثق أو تقود لكشف جانب مما يعرف بـ“مجزرة المغسل” أو “مجزرة الغسولة”، التي وقعت في ضاحية “سكا” (باسل اﻷسد) للعاملين في مطار دمشق الدولي عام 2012، وهي إحدى الحوادث الدامية التي شهدتها المنطقة خلال سنوات الثورة في سوريا.
ويظهر في المقاطع عددا من المسلحين أثناء تجوالهم بين جثث لشبان من الغوطة الشرقية قضوا على يد ميليشيات “الدفاع الوطني” التابعة لنظام المخلوع بالقرب من “المغسل”، كما تظهر المقاطع قيام عناصر من تلك المليشيات بإطلاق النار على شبان كانوا جالسين على الأرض في موقع قريب من “المغسل” في الضاحية. وتشير روايات محلية إلى أن الضحايا كانوا مدنيين تم إعدامهم ميدانيا.
مشاركون
أطلقت “سوريا 360” رحلة تتبع دقيقة، بحثا عن الوجوه التي ظهرت في المقاطع المصورة، وتوصلت بالاعتماد على شهادات محلية موثوقة إلى العديد من الأسماء، ومكان إقامتهم وماذا يعملون.. وجميعهم كانوا ضمن المجموعة التي نفذت العملية. ومن بين الأسماء المتداولة:
أحمد طافش:
فلسطيني سوري وموظف سابق في مطار دمشق الدولي، متقاعد منذ نحو عامين، ويُقال إنه لا يزال يقيم في الضاحية (سكا)، حيث يدير دكانا صغيرا من المنزل الذي حصل عليه ضمن سكن العاملين بالمطار، وظهر بالمقطع وهو يتنقل بين الجثث حاملا جواله ليصور ويتبادل الأحاديث والتبريكات، بعد قتل مجموعة من الشبان .
![]()
محمد شاليش:
فني في مديرية الشؤون الفنية بالمطار، ويُقال إنه ما يزال على رأس عمله ويقيم في الضاحية نفسها تم ذكر اسمه بالوصف الخاص بالمقطع وظهر اسمه مع العديد من زملائه ضمن قائمة مليشيا “الدفاع الوطني” بالضاحية .
![]()
مازن أمون:
فني في مديرية الشؤون الفنية أيضا، وتذكر مصادر محلية أنه كان مرتبطا بمجموعات مسلحة موالية للمخلوع ولديه ابن ضابط، وقد تعرض “أمون” منذ فترة لجلطة دماغية أفقدته القدرة على الرؤية.
اقرأ أيضا: القبض على اثنين من مرتكبي مجزرة البيضا
هيثم علي:
ورد اسمه ضمن الروايات المتداولة حول الحادثة، مع معلومات غير مؤكدة عن توقيفه لاحقا في قضايا أخرى تتعلق بالدعارة، فيما لم يتم تأكيد إذا ما تم إطلاق سراحه لاحقا.
شادي جميل محفوض:
قائد سرية بميليشيا “الدفاع الوطني” وهو على اﻷغلب من كانوا ينادونه في المقطع “أبو جميل “.
![]()
غيث رجب:
يعمل كحارس بمطار دمشق وكان يتفاخر علنا أمام موظفي المطار أنه وبالاشتراك مع زملائه بميليشيا “الدفاع الوطني”، قتلوا أكثر من 50 “إرهابيا” في يوم واحد، على حد وصفه.
ومن الأسماء “لؤي حسن (فني في المطار) – زياد استنبولي (فني في المطار) – رائد أبيض (مضيف في المطار).
أسامة الجابي:
فني تم التعرف على صورته في المقطع من قبل أشخاص عملوا معه، كما ذكر اسمه ضمن قوائم مليشيا “الدفاع الوطني “.
بشار رستم
ورد اسمه ضمن قائمة السكن الخاصة بضاحية “سكا” ضمن الخانة رقم 316.
![]()
ارتباطات محتملة مع ضاحية المطار
تفيد المعلومات المتداولة بأن عددا من الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في سياق الحديث عن المجزرة ما زالوا يقيمون في ضاحية “سكا”، وهي منطقة سكنية مخصصة لموظفي المطار، حيث يحصل العاملون فيها على مساكن وخدمات مجانية أو شبه مجانية، علما أن العديد من هؤﻻء “المستفيدين” مشاركون في قتل ذوي أناس ما زالوا يسكنون الخيام أو بيوتا مهدمة، ما يعيد طرح سؤال العدالة اﻻنتقالية بشكل صارخ.
وتشير مصادر إلى وجود قوائم قديمة تضم أسماء منتسبين للدفاع الوطني من العاملين في المطار، وتسمح مقارنة سريعة بين هذه القوائم وسجلات السكن في الضاحية باكتشاف عددا غير قليل ممن كانوا في الظاهر “موظفين” وفي الباطن “مجرمين”.
![]()
مطالب
مع إعادة تداول المقاطع، دعا ناشطون وحقوقيون إلى فتح تحقيق مستقل في الحادثة وتحديد المسؤوليات القانونية، خصوصا أن بعض الأشخاص الذين يشتبه بظهورهم في المقاطع ما زالوا يعملون في مؤسسات مرتبطة بالمطار، أو يقيمون في السكن المخصص للعاملين فيه.
كما طالبوا بالتحقق من محتوى المقاطع والمستندات المتداولة، والعمل على توثيق الجريمة بشكل رسمي ومحاسبة المسؤولين عنها، في إطار الجهود الأوسع لكشف الانتهاكات التي شهدتها سوريا زمن المخلوع.
اقرأ أيضا: اعتقال 3 من سفاحي مجزرة التضامن
الداخلية تستجيب
علمت “سوريا 360” أن وزارة الداخلية فتحت تحقيقا مستقلا في مجزرة “الغسولة” بهدف تحديد المسؤوليات القانونية، وباشرت بالتحقيق مع عدد من الأشخاص المتورطين بالجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها، دون أن يتضح بعد عدد من شملهم هذا الإجراء، وهل فعلا كل المتورطين أم إن هناك من يزال طليقا أو متواريا.
غير موثقة
شهادات محلية أكدت لـ”سوريا 360“، أن مجزرة “المغسل” ليست الحادثة الوحيدة التي وقعت في المنطقة خلال تلك الفترة، إذ يتحدث السكان عن وقائع مشابهة لم يتم توثيقها بشكل كاف كمجرزة “المطاحن “.
وفي سياق غير بعيد، يتهامس موظفون في مطار دمشق بأحاديث ساخطة عن حالة التسيب والفلتان الأمني داخل المطار، التي يجسدها الإبقاء على عدد من فلول المخلوع في مواقعهم، فيما قد يكون لبعض هؤلاء يد بما كانت تشهده القرى المحيطة بالمطار من انتهاكات، عطفا على مجزرة “الغسولة” التي نفذها “موظفون”!