سوريا 360- دير الزور
في قلب دير الزور، حيث تبحث المدينة المنهكة عن متنفس أخير، انفجر الجدل مجددا حول مشروع يهدد آخر ما تبقى من خضرتها: الحديقة المركزية تتحول إلى “مسجد دير الزور الكبير” على غرار الجامع الأموي في دمشق.
يرى كثيرون أن وضع وزير الأوقاف حجر الأساس للمشروع يتجاهل أولويات المرحلة ونبض الناس واحتياجاتهم، فدير الزور ما تزال تواجه تحديات إعادة الإعمار وعودة النازحين، فيما يضع المشروع الرمزية فوق الحياة اليومية لسكان لم يعودوا بعد إلى بيوتهم.
ويشير المنتقدون إلى أن التفكير في توسيع دور العبادة يجب أن يسبقه جعل المدينة صالحة للعيش، فالعمران الحقيقي لا يقاس بعدد المآذن، بل بعودة الناس إلى بيوتهم، وابتسامتهم في حدائقهم، وكرامتهم في خدماتهم الأساسية.
1700 مسجد
ويركز المعترضون على أن المشروع يستهدف حديقة عامة تمتد على مساحة 17 دونما، تعد المتنفس الوحيد في مدينة ذات طبيعة صحراوية، في حين تتوفر مساحات واسعة ومناطق مدمرة تصلح للبناء، متسائلين عن جدوى استبدال مساحة خضراء نادرة بمسجد جديد، في وقت تضم فيه المحافظة نحو 1700 مسجد، كثير منها شبه خال بسبب نزوح السكان.
![]()
اقرأ أيضا: 793 مسجدا متضررا في مرمى أوقاف إدلب لترميمها
آخر رئة خضراء
يؤكد المنتقدون أنهم لا يعارضون بناء المساجد من حيث المبدأ، لكن المنطق يفرض ترتيب الأولويات، فدير الزور تحتاج اليوم إلى بنية تحتية، ومدارس، ومساكن، وخدمات أساسية قبل أي مشروع رمزي.
كما يرون أن ترميم المساجد المتضررة أولى من إنشاء مسجد جديد، وخاصة أن العديد من المساجد القائمة لا يرتادها المصلون بسبب قلة عدد العائدين.
وتجاوز الجدل الجانب الخدمي ليطرح سؤال الهوية المعمارية: إذا كانت الوزارة مصرة على بناء المسجد، فلماذا استنساخ نماذج من مدن أخرى بدلا من تصميم يعكس تراث دير الزور وبيئتها؟ وهل من المنطقي التضحية بـ”آخر رئة خضراء” في مدينة ما تزال تعاني من آثار الدمار والنزوح؟
درء المفاسد
يشدد المنتقدون على أن قدسية العبادة وأهمية المساجد أمر لا خلاف عليه، لكن الفقه الإسلامي نفسه يقرر أن “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، وفي مرحلة إعادة الإعمار، يصبح سؤال الأولويات أكثر إلحاحا: هل نبني الواجهات أولا، أم نعيد بناء الحياة؟
ويؤكدون أن دير الزور، التي أنهكتها سنوات الحرب والنزوح، تحتاج اليوم إلى قرارات تعيد الأمل لسكانها عبر توفير السكن الآمن، والخدمات الأساسية، والفرص الاقتصادية.
ويعتقد المنتقدون أنه عندما تستقر الحياة، تعود جميع المساجد لتمتلئ بالمصلين بشكل طبيعي، أما بناء “أكبر مسجد” في مدينة شبه خالية، فقد يحمل رسالة دينية أو معمارية، لكنه لن يكون حلا لأزمة إنسانية.