سوريا 360 – الرقة – محمد الحسون
انتعشت تجارة النباتات البرية الصالحة للأكل في الرقة بعد الأمطار الربيعية التي شهدتها مناطق الجزيرة السورية وبادية الشامية هذا العام، فانضمت نباتات القنيبرة (الجنيبرة) والخباز إلى قائمة النباتات المعروضة للبيع في الأسواق إلى جانب نبات “الكعوب” الشهير في المنطقة.
تنطلق مجموعات من النسوة مع شروق الشمس وهن يحملن السكاكين للبحث عن نباتات “السلاق” في الحقول الواسعة بالريف وهن يحملن أكياساً لتعبئة ما يجمع فيها، وباتت هذه المهمة أسهل منها سابقا لأن النباتات نمت عقب أمطار الربيع الغزيرة وبعض هؤلاء النسوة يجمعنها لتحضير وجبة في منازلهن والبعض الآخر يجمعا بغرض بيعا والاستفادة من ثمنها.
تُعرف مجموعات النساء محلياً باسم “السلاقات” أي يجمعن “السلاق” في إشارة إلى جمع النباتات البرية بغرض طبخها وسلقها.
تنتشر هذه الظاهرة مع نهاية شباط وبداية آذار، بالتزامن مع نمو النباتات بعد الأمطار في الحقول والمناطق البعيدة عن التلوث، وتستمر لعدة أشهر، قبل أن تفقد بعض هذه النباتات طراوتها وتصبح قاسية، ما يقلل من الإقبال عليها، لكن مواسم الري الصيفية خاصة مع زراعة القطن، تساهم في تمديد الفترة عبر ظهور أنواع أخرى صالحة للأكل مثل “عرف الديك” و “البقلة” (الحمقة) والأخيرة تؤكل نيئة مع السلطات أو مطبوخة بطريقة “السلاق”.
ويعد المزارعون نبات “الخردل” ضارا عنيدا ويستخدمون المبيدات للقضاء عليه، كما يستأجرون مجموعات من العمال لتنفيذ عمليات عزيق القطن للخلاص من نبات “عرف الديك” المنافس القوي للقطن أيضا، ودائما يدخلون بسباق مع الزمن للقضاء عليهما قبل الوصول إلى مرحلة تشكل البذور في أيار مايو وحزيران يونيو.
في المقابل، تحضر وجبة “السلاق” أو كما يلفظ باللهجة المحلية “السلاج” من هذه النباتات جميعها عندما تكون طرية وتُقدَّم على المائدة بعد طبخها سلقا على طريقة “السبانخ والسلق”، حيث تُغسل الأوراق وتُقطع ثم تسلق وبعد تصفيتها يُضاف إليها القليل من البصل والثوم قبل الطهي أو “الحمس” بالسمن وتقدم مع اللبن والبصل الأخضر.
طريقة التحضير البسيطة هذه شهدت تطوراً في السنوات الأخيرة مع إضافة البهارات وأحياناً اللحم المفروم وتقديمها مع الليمون.

اقرأ أيضا: مربو اﻷغنام في الرقة يضحون بقسم منها من أجل “البقية”
الكعوب والجنيبرة
يقول محمد الجاسم (45 عاما)، إن “تنوع النباتات البرية يرتبط بمواسمها، حيث تظهر الجنيبرة والخباز والسبانخ والخردلة (الفجيلة) النابتة في حقول القمح وعرف الديك من حقول القطن أي كلٌ في وقته، الجنيبرة (القنيبرة) تُعد الأخف على المعدة مقارنة بالخباز أو الخبيزة التي يصفها بأنها أثقل من حيث الهضم”.
ويضيف أن “القنيبرة كانت طبقاً ثابتاً على المائدة في منزله خلال شهر رمضان لتوفرها وسهولة الحصول عليها من الحقول المجاورة بالمجان”، مبينا أنه يراها خياراً جيداً وخفيفاً، ما يجعلها مفضلة لدى كثيرين خلال هذا الموسم.
وتُطبخ الجنيبرة أحيانا مع البرغل، ويُطلق عليها في بعض المناطق اسم “المرشوشة” تطبخها الأمهات لأطفالهن عند عدم توفر الخبز.
أمّا بالنسبة للكعوب، فهو نبات شوكي يتميز بمذاق مختلف عن النباتات الورقية، لكنه يُطهى بطريقة مشابهة رغم صعوبة العثور عليه لأن وجوده يقتصر على البراري ويندر وجوده بالأراضي الزراعية لأن الفلاحة تقضي على وجوده مع الزمن.
يُسلق الكعوب بالماء المالح ثم يُصفى، ويُحضَّر بجانب بصل مفروم محمر بالسمنة، ويضاف إليه البيض المخفوق ويُحمس الخليط كله معاً.
هذا الطبق يحمل قيمة غذائية عالية، ويفضله الناس بالجزيرة السورية، لا سيما كبار السن، ويباع بسعر20- 50 ألف ليرة سورية حسب النوعية والجودة حاليا وهذا يوازي سعر الفطر وربما بسبب توفر النباتات البرية والكمأ والفطر معا.

اقرأ أيضا: الأمطار تنعش آمال مزارعي درعا بإنقاذ موسم القمح
موسم السلاق
تقول “أم بشار” لـ “سوريا 360“، إنها “تعيل أسرة مؤلفة من 7 أشخاص، وتعمل حالياً في جمع الخباز والجنيبرة من الأراضي الزراعية لبيعها في المدينة”، موضحة أنها تخصص يوماً كاملاً لجني هذه النباتات، ويومًا آخر لعرضها في السوق، حيث تبيع يومياً ما بين 7 و 8 كيلوغرامات من كل صنف.
وتشير إلى أنها تدفع نحو 20 ألف ليرة سورية أجور نقل من بلدة “الكرامة” إلى مركز المحافظة، ما يترك لها هامش ربح ضئيلاً لا يكفي لإعالة أسرتها، لكنها لا تملك خيارا سوى الاستمرار في هذا العمل لعدم وجود غيره على أمل تأمين جزء من احتياجات العائلة.
بدوره، “فيصل محمد الشحادة” بائع خضار شتوية في الرقة يقول، إنه عادة يبيع البصل والفجل والبقدونس التي يعرضها على بسطته في سوق المدينة، مضيفا أنه بدأ يعرض “الجنيبرة” (القنيبرة) أيضا بعد أن يشتريها من الناس في مزرعة القادسية بسعر أربعة آلاف ليرة سورية للكيلوغرام وألفي ليرة لنبات الخباز.
وأوضح الرجل أنه كان يبيع في السابق نحو 40 كيلوغراماً يومياً قبل أن يشهد الطلب تراجعاً في الفترة الأخيرة، خاصة على الخباز.
سيدة أخرى تعرض كميات من هذه النباتات للبيع في نفس المكان، تدعى (أم أحمد) تأتي من حي “المشلب”، لتعرض الخباز والجنيبرة للبيع على رصيف شارع القوتلي، وتقول إنها تعيل ستة أشخاص.
وتتراوح أسعار الكيلوغرام لديها بين 5- 7 آلاف ليرة سورية، وتقول أن السعر لا يوازي الجهد والعمل الشاق الذي تبذله النساء لجمع هذه النباتات من الحقول في الريف البعيد.
وتعد هذه الأسعار جيدة مع تراجع القدرة الشرائية للناس وفي الوقت نفسه هي فرصة عمل حرة وتكلفتها هو الجهد والوقت المبذول في البحث عن النباتات في الحقول أو البراري.