سوريا 360- متابعات
سجلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 تصاعد ملحوظ في وتيرة الاعتقال والاحتجاز في سوريا، في مرحلة حسّاسة أعقبت التغيرات السياسية الأخيرة وسقوط النظام المخلوع، حيث يفترض أن تكون الأولوية لترسيخ القانون لا توسيع الانتهاكات.
وبحسب المعطيات الموثقة، بلغ عدد حالات الاعتقال التعسفي والاحتجاز ما لا يقل عن 210 حالات، بينهم 11 طفلا و3 سيدات، في وقت تم فيه تسجيل 512 حالة إفراج من مراكز احتجاز مختلفة، وتعد هذه الأرقام حدا أدنى، في ظل صعوبات ميدانية كبيرة تعيق عمليات التوثيق والرصد.
وتكشف تفاصيل المشهد عن تعدد الجهات المسؤولة عن الاعتقالات، إذ تصدرت القوات الحكومية القائمة بـ122 حالة، تلتها القوات الإسرائيلية بـ46 حالة، بينها النسبة الأعلى من الأطفال، ثم قوات سوريا الديمقراطية بـ42 حالة، بينها امرأة واحدة. ويلاحظ أن شهر شباط وحده شهد الذروة، مسجلا نحو 37% من إجمالي الحالات، في مؤشر على تصاعد التوترات في بعض المناطق، خصوصاً تلك التي شهدت انتقادات علنية لسلطات الأمر الواقع.
استثناءات
جغرافيا، برزت محافظتا دير الزور والقنيطرة كأكثر المناطق تسجيلا لحالات الاعتقال، تليهما حمص، ثم طرطوس والحسكة، وهو توزيع يعكس طبيعة السيطرة المتداخلة وتباين القوى الفاعلة على الأرض.
وفي موازاة الاعتقالات التعسفية، برز مسار آخر تمثل في احتجاز 59 شخصا في إطار ملاحقة المتورطين بانتهاكات خلال حكم النظام المخلوع. غير أن هذا المسار، رغم مشروعيته المبدئية، يثير قلقا قانونيا، إذ لم تتوفر معلومات عن مذكرات توقيف رسمية، ولا عن التهم الموجهة للمحتجزين، كما غابت مؤشرات على تمكينهم من الدفاع عن أنفسهم أو المثول أمام القضاء ضمن مدد زمنية معقولة.
اقرأ أيضا: مقتل 8 سوريين خلال أسبوع
وتشير القراءة العامة للواقع إلى أن سوريا تدخل مرحلة معقدة، حيث تتقاطع الحاجة إلى العدالة مع خطر الانزلاق نحو ممارسات انتقامية أو غير قانونية، ما قد يقوض أسس أي انتقال سياسي مستقر.
كما رصد التقرير ادعاءات متعددة بتعرض محتجزين للتعذيب وسوء المعاملة لدى أكثر من جهة، وهو ما يشكل خرقا صارخا لقواعد القانون الدولي التي تحظر التعذيب بشكل مطلق، دون أي استثناءات.
مصدر جديد للانتهاكات
ويكتسب هذا الأمر حساسية مضاعفة في ظل وجود أطفال بين المحتجزين، خصوصا لدى القوات الإسرائيلية، حيث يفترض أن يكون احتجاز القاصرين إجراء نادرا ومقيدا بأضيق الحدود.
في الخلفية، تبدو سوريا أمام اختبار حقيقي، فبينما تفتح التحولات السياسية بابا لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، فإن غياب الضمانات القانونية والإجرائية قد يحوّل هذه الفرصة إلى مصدر جديد للانتهاكات، بدل أن تكون خطوة نحو العدالة.
وتدعو التوصيات الصادرة في هذا السياق إلى وقف فوري للاعتقالات خارج إطار القانون، وضمان إصدار مذكرات قضائية لأي عملية توقيف، مع إبلاغ المحتجزين بأسباب اعتقالهم، وتأمين حقهم في التواصل مع محامين، والمثول أمام القضاء خلال مهلة لا تتجاوز 48 ساعة.
كما تشدد على ضرورة الكشف عن مصير جميع المحتجزين، والسماح للمنظمات الدولية بالوصول إلى مراكز الاحتجاز، إضافة إلى الإفراج عنهم.