سوريا 360 – السويداء
أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تقريرها النهائي بشأن أحداث محافظة السويداء في تموز يوليو 2025، موثقةً الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها المنطقة خلال تصاعد أعمال العنف التي تحولت إلى نزاع مسلح غير دولي.
ويستند التقرير، الذي يبلغ 93 صفحة، إلى أكثر من 409 مقابلات ميدانية 3 بعثات تحقيق، بهدف توثيق الوقائع وتحديد المسؤوليات القانونية وتقديم توصيات لضمان المساءلة ومنع تكرار الانتهاكات.
احتقان وسياق أمني معقد
ويشير التقرير إلى أن الأحداث جاءت في سياق سياسي وأمني معقد، تخللته توترات بين الحكومة السورية والقيادات المحلية في السويداء، إلى جانب احتقان طائفي بين المجتمعين الدرزي والبدوي، وانتشار واسع للسلاح وضعف مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية.
وقد أدت هذه العوامل إلى انفجار العنف بعد حادثة اختطاف في 11 تموز/ يوليو، تطورت خلال أيام إلى مواجهات واسعة شملت ثلاث موجات رئيسية بين 14 و19 تموز / يوليو، بمشاركة القوات الحكومية السورية ومقاتلي العشائر والجماعات المسلحة الدرزية، إضافة إلى تدخلات خارجية عبر ضربات جوية إسرائيلية.
![]()
اقرأ أيضا: لجنة التحقيق تصدر تقريرها في أحداث السويداء
ووثق التقرير مقتل ما لا يقل عن 1,707 أشخاص، بينهم 1,342 من الطائفة الدرزية و70 من المجتمع البدوي، و225 من عناصر القوات الحكومية، مع احتمال ارتفاع العدد الفعلي للضحايا.
كما أدى العنف إلى نزوح نحو 200 ألف شخص، بينهم 155 ألف نازح ما زالوا بعيدين عن العودة الآمنة، وسط ظروف إنسانية صعبة.
مرتكبو الانتهاكات
وتوزعت موجات العنف على 3 مراحل، الأولى بين 14 و16 تموز / يوليو مع دخول القوات الحكومية مدعومة بمقاتلين بدو إلى مناطق السويداء، وشملت انتهاكات واسعة ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والمداهمات العنيفة.
تلتها موجة انتقامية من الجماعات المسلحة الدرزية ضد المجتمع البدوي، شملت القتل والاعتقال والتهجير القسري، في حين شهدت المرحلة الثالثة بين 17 و19 تموز/ يوليو تعبئة عشائرية واسعة شارك فيها نحو 80 ألف مقاتل، مع عمليات قتل ونهب وتدمير شملت حرق ما يقارب 35 قرية.
وأشار التقرير إلى أن جميع الأطراف ارتكبت انتهاكات جسيمة تشمل القتل خارج نطاق القانون، التعذيب وسوء المعاملة، العنف الجنسي، التهجير القسري، الحرق والنهب، واستهداف أماكن العبادة، إضافة إلى ممارسات مهينة مثل الإذلال الطائفي. كما وثق نشر الانتهاكات على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعكس مناخاً من الإفلات من العقاب وخطاب كراهية واسع.
على صعيد المسؤولية، أكد التقرير أن الدولة السورية تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية السكان، فيما يتحمل المقاتلون القبليون والجماعات المسلحة الدرزية المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات التي ارتكبوها، ما يعقد عملية الإسناد القانوني ويزيد صعوبة تحقيق المساءلة.
من الناحية القانونية، صنف التقرير النزاع ضمن النزاعات المسلحة غير الدولية، مشيراً إلى أن العديد من الأفعال المرتكبة تشكل جرائم حرب، مع مؤشرات على احتمال ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، خاصة في ظل بعد طائفي واضح في الانتهاكات، وتدخلات عسكرية خارجية أسهمت في تعقيد الإطار القانوني الدولي.
وضع هش وثقة مفقودة
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في 19 تموز / يوليو، يؤكد التقرير هشاشة الوضع المستمر، مع استمرار النزوح وغياب الثقة بين السكان والسلطات، داعياً إلى فتح تحقيقات مستقلة، ومحاسبة المسؤولين، وضمان حقوق الضحايا في التعويض، إلى جانب إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية والعمل على تحقيق مصالحة مجتمعية حقيقية.
ويخلص التقرير إلى أن أحداث السويداء تمثل نموذجاً معقداً لنزاع داخلي متعدد الأطراف، تخللته انتهاكات جسيمة ارتكبتها جميع الجهات، أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، بما يرقى إلى جرائم حرب، مع احتمال وجود جرائم ضد الإنسانية، ما يستدعي تحركاً قانونياً عاجلاً على الصعيدين الدولي والوطني لضمان العدالة والمساءلة.