سوريا 360- متابعات
أثار تصريح الوزيرة المسيحية الوحيدة في الحكومة “هند قبوات” حول قرار تنظيم بيع المشروبات الكحولية في دمشق، وما تضمنه من إشارات إلى الدور التاريخي للمسيحيين في سوريا، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي.
وجاءت تصريحات “قبوات” في سياق النقاش الدائر حول قرار محافظة دمشق حصر بيع الكحول في مناطق “باب توما” و”القصاع” و”باب شرقي” ذات الغالبية المسيحية، ثم منح المحافظة لاحقا أصحاب المحال مهلة 3 أشهر لتغيير نشاطهم التجاري.
وفي منشور على “فيسبوك”، اعتبرت “قبوات” أن المناطق المسيحية “ليست أماكن للكحول بل تمثل قلب دمشق وتاريخها المشرق”، مشيرة إلى أن “المسيحيين هم السكان الأصليون لسوريا”.
وسرعان ما تحول المنشور إلى مادة ساخنة على وسائل التواصل، حيث تباينت ردود الفعل بين مؤيد يرى في كلمات الوزيرة دفاعا مشروعا عن الهوية والتنوع، ومنتقد يصفها بأنها تحمل نبرة إقصائية لا تليق بمسؤولة حكومية.
سوريا ليست أفغانستان
في سياق الدفاع عن التنوع، اعتبرت الإعلامية “زينة يازجي” أن “سوريا ليست أفغانستان”، مؤكدة أن قبول السوريين لاختلافاتهم يشكل ضمانة للدولة.
وقالت: “إن أصوات التعصب في الشارع لا ينبغي أن تترجم إلى قرارات حكومية”، محذرة من أن الدولة التي تقيد الآخرين اليوم قد تقيدك أنت غدا، وشددت على ضرورة وجود قانون عادل يسع الجميع دون إقصاء.
من جانبه، أوضح المحامي “أحمد حسن” أن صلاحيات المحافظين والبلديات في القانون تنفيذية بحتة، ولا تخولهم فرض قيود عامة على الحريات، معتبرا أن القرار يمثل تجاوزا لمبدأ المشروعية وتدخلا في اختصاص السلطة التشريعية.
أما المحامي “باسل سعيد مانع” فذهب إلى أن انتقاد أي وزير للقرار قد يكون مرتبطا بحسابات سياسية تتعلق بالتشكيلة الحكومية المقبلة، لعلمه أنه لن يكون ضمنها.
اقرأ أيضا: مطرانية بصرى تعلّق على قرار حصر بيع الكحول
تجاهل للتاريخ وإقصاء لمكونات
على الجانب الآخر، اعتبر كثير من المعلقين أن وصف المسيحيين بـ”السكان الأصليين” يتجاهل تاريخ سوريا المتنوع، وأن أغلبية السوريين اعتنقوا الإسلام عبر قرون طويلة، ما يجعل ربط الأصالة بدين واحد طرحا إشكاليا.
واتهم آخرون الوزيرة بتبني خطاب “شوفيني” ينطوي على إقصاء غير مباشر لمكونات سورية أخرى، فيما ربط البعض بين تصريحاتها الأخيرة وأدائها في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، معتبرين أن التركيز على الهوية يأتي في وقت يفترض فيه إعطاء الأولوية للملفات الخدمية والإنسانية، مثل قضايا المعتقلين واللاجئين.
وفي مقاربة أكثر هدوءا، رأى بعض المعلقين أن الإشكال يكمن في طريقة تلقي التصريحات في بيئة مشحونة، وأن الحديث عن دور مكون معين لا يعني بالضرورة إقصاء الآخرين، لكن حساسية اللحظة تجعل أي خطاب هوياتي قابلا للتأويل.
التنوع قوة والعدالة ضمانة
واتفق معظم المشاركين في النقاش على أن سوريا بلد متعدد الأديان والأعراق والثقافات، وأن هذا التنوع كان دائما مصدر غنى لا ضعف، لكن صونه لا يتم عبر خطابات انفعالية أو قرارات إدارية منفردة، ولا عبر ردود فعل عاطفية على وسائل التواصل.
ويرى كثيرون أن الدولة التي يطمح إليها السوريون هي دولة القانون، التي تحمي الحريات ضمن إطار مؤسسي واضح، وتضمن المساواة دون تمييز، وتفصل بين المعتقد الشخصي والسياسات العامة، وفي مثل هذه الدولة، لا مكان لخطاب “نحن” و”هم”، ولا لقرارات تفرض من فوق دون حوار مجتمعي.
وبحسب هؤلاء، فإن سوريا التي تستحق أن تبنى هي سوريا لكل أبنائها، حيث يشعر كل مواطن بالكرامة والحقوق المتساوية، بعيدا عن الانتماءات الدينية أو العرقية، وحيث تكون الكلمة الفصل للمؤسسات والقانون لا للانفعالات، فالدول تبنى بالعدالة الشاملة، وبالحريات التي لا تنتقى، وبالمواطنة التي لا تجزأ.