سوريا 360- جمعة الجاسم
لم تكن ثورة الشعب السوري ضد المخلوع وليدة لحظة عابرة في آذار/مارس 2011، بل كانت تتويجا طبيعيا لحالة غضب شعبي متراكمة ضد عقود من الاستبداد والفساد والبطش، فقد انطلق الشعب السوري مطالبا بالحرية والكرامة، رافضا حياة الذل، ومواجها قمعا دمويا من النظام المخلوع، لتتحول انتفاضته إلى ملحمة صمود استمرت 14 عاما، واختتمت بالنصر والتحرير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
بدأت الشرارة الأولى بحادثة اعتداء شرطي في سوق “الحريقة” بدمشق في شباط/فبراير 2011، تلتها دعوات “يوم الغضب” في 15 آذار/مارس، قبل أن تشتعل في درعا يوم 18 آذار/مارس بعد اعتقال أطفال كتبوا شعارات على جدران المدارس تطالب بإسقاط الديكتاتور “بشار الأسد”، وسقوط أول الشهداء “محمود الجوابرة وحسام عياش”.
وتوسعت المظاهرات السلمية بسرعة هائلة لتشمل حمص التي لقبت بـ”عاصمة الثورة”، حيث سجلت مجزرة ساحة الساعة في نيسان/أبريل 2011 أول المجازر المنظمة، وحماة التي احتضنت أكثر من نصف مليون متظاهر هتفوا لإسقاط النظام، قبل أن يحطم المخلوع اعتصام المدينة بالدبابات في تموز/يوليو 2011 .
واتخذت أيام الجمعة تسميات تحدد غاية الاحتجاج وأهدافه، وتميز الحراك بوسائل إبداعية وظهور “المواطن الصحفي” والتنسيقيات، لكن وحشية الرد دفعت الثورة نحو التحول للدفاع المسلح عن النفس.
اقرأ أيضا: الثورة تنتصر.. الورود بدل البراميل المتفجرة
تشكيل الجيش السوري الحر
مع تصاعد الإجرام بدأ الانشقاق العسكري بشكل كبير ليتم الإعلان في آب/أغسطس 2011، عن تشكيل “الجيش السوري الحر” بقيادة العقيد “رياض الأسعد”، بهدف حماية المدنيين والانتقال لمهاجمة مواقع النظام، وبرز دور المرأة بشكل لافت في الميدان والإغاثة والطب، وتحملت مع عائلاتها مرارة النزوح والاعتقال والتعذيب.
وفي المقابل، لم يكتف المخلوع بالقتل المباشر، بل استخدم سلاح الجو والأسلحة المحرمة دوليا، مسجلا مجزرة الغوطة الكيماوية في 21 آب/أغسطس 2013 بخسائر بشرية فادحة تجاوزت 1144 قتيلا، وهجوم “خان شيخون” بغاز السارين في 2017، كما فرض حصارا خانقا وتجويعا ممنهجا في “مخيم اليرموك” بدمشق ومدينة “مضايا”، حيث مات الناس جوعا واضطروا لأكل الأعشاب، في حين كشفت تسريبات “قيصر” عن تعذيب ممنهج ومقابر جماعية، مؤكدة اختفاء أكثر من 112 ألف شخص قسرا في سجون المخلوع.
تدخلات خارجية وتهجير نحو الشمال
وتدخلت إيران وميليشياتها الطائفية وحزب الله اللبناني وميليشيات عراقية وأفغانية لدعم النظام منذ البداية، فيما دخلت روسيا بقوتها التدميرية في أيلول/سبتمبر 2015، ما أدى لتهجير مئات الآلاف من درعا والغوطة وريف دمشق نحو شمال سوريا في أكبر عملية تهجير قسري في التاريخ الحديث.
ورغم ذلك، صمد الشمال ليكون قلعة الثورة، فتحررت الرقة أول محافظة في آذار/مارس 2013، وشكلت إدلب وأرياف حلب الخزان البشري والعسكري للثورة، حيث حرر “جيش الفتح” مدينة إدلب في 2015، وصمد ريف اللاذقية وجبل التركمان بوجه الهجمات الشرسة حتى التحرير النهائي.
“ردع العدوان” وتحرير دمشق
في مرحلتها الحاسمة، انطلقت معركة “ردع العدوان” في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ومع تحرير كل مدينة ومنطقة كان الأمل يتجدد حتى جاء فجر 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث دخلت قوات الثورة العاصمة دمشق في ساعة مبكرة، وسيطرت على سجن “صيدنايا” سيئ الصيت المعروف بـ”المسلخ البشري”، محررة مئات المعتقلين الذين قضوا سنوات في الظلام والتعذيب.
في تلك اللحظات التاريخية، فر “بشار الأسد” مع عدد من أفراد عائلته ورموز نظامه إلى موسكو ذليلين، وأعلنت إدارة العمليات العسكرية في “ردع العدوان” تحرير مدينة دمشق بالكامل وبالتالي سوريا، لينتهي بذلك حكم حزب البعث الممتد منذ انقلاب آذار/مارس 1963.
وأعلن بيان النصر الرسمي في 29 كانون الثاني/يناير 2025 تولي “أحمد الشرع” رئاسة الجمهورية، وفتح صفحة جديدة لبناء الدولة السورية الجديدة على أسس العدالة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
مثلت سوريا نموذجا نادرا للصمود الإنساني، لتعود من رحم المعاناة دولة حرة ذات سيادة، منهية حقبة طويلة من القمع والإرهاب، ومرسخة الأمل بالاستقرار والازدهار للمنطقة جمعاء، حيث كتب أبناؤها بدمائهم صفحات خالدة في تاريخ النضال العالمي ضد الطغيان، ليبدأ الآن عهد جديد من الإعمار، وعودة المهجرين إلى ديارهم، وبناء مستقبل يليق بتضحيات 14 عاما.