سوريا 360- متابعات
في خطوة أثارت موجة عارمة من الاستياء والسخرية المريرة لدى السوريين، أعلنت وزارة الثقافة ترشيح 7 قصائد لتصبح “النشيد الوطني الجديد”، مطلقة مسابقة لتلحينها.
لكن بدلا من أن تكون لحظة احتفاء بهوية جامعة، تحول الإعلان إلى مرآة عكست فجوة عميقة بين السلطة والشارع، وأثارت تساؤلات حول شرعية العملية برمتها، حيث بدا الوزير وكأنه “الخصم والحكم” في آن واحد.
تافهات تشغل الشارع
يرى الصحافي “عدنان عبد الرزاق” أن هذا الحدث ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة من “التوافه” التي تصرف بها أذهان السوريين عن جوهر الأزمة، ويضيف: “كل يوم حدث هامشي، إن لم أقل تافها وسخيفا، يشغل الشارع.. اليوم قصائد لنشيد، وبالأمس أسماء مستعارة، وقبلهما حمرة الصائمة ومكياج الموظفة”.
وأشار “عبد الرزاق” إلى أن المشكلة الحقيقية ليست في الكلمات أو الألحان، بل في “وطن يبنى على غير الأسس التي خرج لها الثوار وضحى من أجلها الشهداء”. لافتا إلى أن “المشكلة هي في سلطة أحادية تغير العملة والشعارات والنشيد متجاهلة نبض الشعب، بينما السوري في الداخل خائب يفكر بالهروب، والسوري في الخارج تأكله الحيرة قبل أن يفكر بالعودة”.
![]()
اقرأ أيضا: حصيلة 100 يوم على رأس الثقافة.. هل حاد “صالح” عن طبق “الكرامة”؟
أساطين المطبلين
بينما كشف الصحافي “محمد السلوم” عن كواليس قد تكون وراء هذه المسابقة، مشيرا إلى شائعات تفيد بأن الوزير “محمد ياسين صالح” ومساعده “أنس الدغيم” كانا أعدا نشيدا خاصا بهما رفض رئاسيا، لذا جاءت المسابقة كواجهة لإمرار نص مشترك بينهما كـ “إنجاز شخصي” قبل مغادرة المنصب.
وعلق “السلوم” باستغراب على ظاهرة غير مسبوقة: “أساطين المطبلين يرفضون النصوص!”، ما يدل على أن الرئاسة نفسها غير راضية عن المستوى، فيما يحاول الوزير تمرير أجندته.
ركاكة وغياب الرموز
وعلى الصعيد الفني والأدبي، لم تكن النصوص السبعة في مستوى التوقعات، وفق الشاعر “أحمد يوسف” والصحافي “محي الدين اللاذقاني” اللذين اتفقا على أن القصائد المقدمة “ركيكة” ولا ترقى لمستوى قصيدة “في سبيل المجد” لـ “عمر أبو ريشة”، التي يرى الكثيرون أنها الأنسب كحل مرحلي حتى استقرار البلاد.
وشدد “اللاذقاني” على أن الشعب السوري، بعد معاناته مع نشيد “حماة الديار”، لا يمكنه تقبل نصوص جديدة دون المستوى.
من جهته، رأى الصحافي “ماهر قصاب” أن النشيد الناجح ليس مجرد كلمات تغنى في “خيم الأعراس الوطنية وبلاط الحاكم”، بل هو خلاصة هوية، مشددا على ضرورة البساطة، والشمولية التي لا تقصي أحدا، وحمل رموز واضحة كـ “الأرض، الشهداء، والتاريخ”.
ووجه “قصاب” سهام نقده نحو “محو ذكر الثورة من قصائد شعراء البلاط”، معتبرا أن غياب هذا البعد العاطفي والتاريخي يجعل النشيد مجرد نص بارد يحفظ ويتقلب على الألسن دون أن يستقر في الوجدان، أما الدكتور “قيس العبد الله” فوصف النصوص الجديدة بأنها تفتقر للوزن وتغرق في الركاكة والتكرار، لدرجة أن “الذكاء الاصطناعي كان ليكتشف ضعفها”.
يبدو أن محاولة صياغة نشيد وطني جديد بعيدا عن إرادة الشعب ورموز ثورته ليست سوى بناء قصر من ورق فوق أرض تهتز، فالحقيقة التي يتجاهلها القائمون على هذا المسعى هي أن الأناشيد الوطنية لا تفرض بقرارات وزارية، بل تولد حين يشعر المواطن أن الوطن وطنه، وأن كلمات النشيد تعبر عن دمائه وآلامه وآماله.