سوريا 360- متابعات
تحولت استعدادات السوريين لعيد الفطر من موسم فرح وتجدد إلى معركة يومية بين الرغبات والإمكانات، في ظل واقع معيشي يزداد قسوة وتفاقما، فبينما تنتظر آلاف الأسر رواتبها المتأخرة في أكثر من وزارة، تواصل أسعار الملابس والحلويات قفزاتها الجنونية، لتجعل من أبسط طقوس العيد عبئا إضافيا على كاهل المواطنين.
ومع اقتراب هلال شهر شوال، تبدو الأسواق السورية هذا العام خالية من روح العيد، حيث تطغى رائحة القلق على المحال، وتحل الوجوه المثقلة بالهموم محل البهجة المعتادة في مشهد يعكس فجوة طبقية تتسع باطراد، حيث تتركز ثروات البلاد في أيدي قلة نافذة، بينما تكافح الغالبية لتأمين أساسيات الحياة.
رواتب غائبة وأزمات حاضرة
في سابقة غير مألوفة، تأخر صرف رواتب مئات آلاف الموظفين الحكوميين حتى منتصف آذار/مارس، فيما لم يتسلم آخرون رواتبهم حتى الآن، وجاء هذا التأخير في ذروة شهر رمضان، وفي وقت ترتفع فيه احتياجات الأسر، ما ضاعف الضغوط المعيشية.
ويقول “مصطفى ج”، موظف حكومي في دمشق: “الراتب لم يصل بعد، والأسعار تتغير كل ساعة. كنا نأمل أن نشتري ملابس لأولادنا، لكن التأخير جعلنا عاجزين. كيف نحتفل والهموم تطوق أعناقنا؟”.
أما “هنادي س” فترى أن تأخر الرواتب أصبح أزمة متكررة تدفع الأسر إلى الاستدانة أو بيع مقتنيات منزلية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات.
![]()
اقرأ أيضا: تأخر الرواتب يفاقم معاناة السوريين في رمضان
كسوة العيد.. حلم بعيد
وتبدو الأسعار في الأسواق الشعبية كما في الشوارع الرئيسية وكأنها موجهة لطبقة أخرى، حيث يصل سعر طقم الأطفال (بنطال وقميص) إلى ما بين 250 و400 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يعادل نصف راتب الموظف الحكومي، أما حلويات العيد التي كانت رمزا للكرم السوري، فقد تحولت إلى رفاهية شبه مستحيلة، إذ دفع ارتفاع أسعارها كثيرا من الأسر إلى العودة لصنعها منزليا أو الاستغناء عنها تماما.
وتتحدث “ياسمين” ربة منزل بحسرة قائلة: “في السنوات الماضية كنا نشتري ملابس للجميع ونجهز الولائم. اليوم أولويتي الخبز والغاز. اشتريت طقما واحدا لابني الأصغر، وسأخبر الكبار أن العيد هذا العام مختلف. القلب يتقطع لكن اليد فارغة”.
ثروة البلد في جيوب القلة
ووسط هذا المشهد القاتم تبرز مفارقة صارخة، فبينما يعاني ملايين السوريين من الفقر المدقع، تتكدس الثروات في أيدي فئة ضيقة من أصحاب النفوذ والتجار الذين استفادوا من سنوات الحرب لتوسيع مصالحهم.
واعتبر خبير اقتصادي فضل عدم ذكر اسمه أن النخبة المستأثرة بالثروة تواصل حياتها بشكل طبيعي بل وتزداد ثراء، “تستورد السلع الفاخرة وتقيم الحفلات، في تناقض مؤلم مع واقع غالبية السوريين الذين يعتمدون على رواتب بالكاد تكفي لأيام”.
وحذر الخبير الاقتصادي من أن هذا الخلل في توزيع الثروة لم يعد مجرد مشكلة اقتصادية، بل تحول إلى تهديد للنسيج الاجتماعي، حيث يشعر المواطن بأن جهده لا يساوي شيئا أمام أرباح القلة المحظوظة.
ورغم كل هذه الظروف القاسية، يحاول السوريون الحفاظ على شعلة الأمل، فالبيوت ستفتح أبوابها للتهاني، وستجتمع العائلات حول موائد بسيطة، ربما خلت من اللحوم والحلويات الفاخرة، لكنها مليئة بالمحبة والتضامن.
غير أن الرسالة التي يوجهها السوريون لصناع القرار واضحة: لا يمكن استمرار الحياة الطبيعية بينما تغرق الغالبية في الفقر وتتأخر رواتبهم، فيما تتضخم ثروات قلة قليلة، ومن دون حلول جذرية لأزمة الرواتب وضبط الأسعار وإعادة النظر في سياسات توزيع الثروة، سيبقى كل عيد مرورا جديدا على جراح السوريين، بدلا من أن يكون مناسبة للفرح والتجدد.