سوريا 360 – متابعات
في وقت يترقب فيه السوريون تدفق الاستثمارات كأحد أهم المخارج من الأزمة الاقتصادية الخانقة، يحذر الخبير الاقتصادي “نادر جبلي” من المبالغة في التعويل على هذا المسار، مؤكدا أن التجارب السابقة تظهر أن رأس المال لا يتدفق إلى بيئات غير مستقرة اقتصاديا وقانونيا.
وفي منشور له، قال “جبلي”، إن الحديث المتزايد عن قدوم الاستثمارات إلى سوريا يصور أحيانا وكأنه “الحل السحري” الذي سيحمل معه المليارات ويقود البلاد سريعا نحو التعافي الاقتصادي، إلا أن الواقع – بحسب رأيه – أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
قانون عام 1991
يستعيد “جبلي” تجربة صدور قانون تشجيع الاستثمار رقم 10 عام 1991، الذي منح المستثمرين السوريين والعرب والأجانب تسهيلات واسعة، من إعفاءات ضريبية ومرونة في إدخال العملات وإخراجها.
ويقول إنه عمل في تلك الفترة في مكتب الدراسات الاقتصادية التابع للشركة العامة للدراسات، وكان من بين المختصين بإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات الاستثمارية، وهو ما أتاح له إجراء نقاشات مباشرة مع عدد من المستثمرين الراغبين بالاستفادة من القانون.
لكن ما لفت انتباهه آنذاك أن الحوافز المالية والإعفاءات الضريبية لم تكن العامل الحاسم في قرار الاستثمار، إذ ركز المستثمرون على عوامل أخرى اعتبروها أكثر أهمية.
![]()
اقرأ أيضا: “غسان عبود”: سوريا محظورة بنكيا والاستثمارات حبر على ورق
عوامل حاسمة
بحسب “جبلي”، أبدى المستثمرون اهتماما كبيرا بعدة قضايا أساسية، أبرزها:
- قانون العمل ونزاعات العمالة: حيث كان تسريح العمال أو إنهاء العقود عملية معقدة وطويلة، تمر عبر لجان وقضاء قد يستغرق أشهرا أو سنوات.
- بطء القضاء: إذ لا توجد محاكم تجارية متخصصة، بينما تستغرق القضايا في القضاء المدني وقتا طويلا للحسم.
- الفساد الإداري: وهو عامل كان معروفًا لدى المستثمرين، واعتبره بعضهم عقبة في التعامل مع المؤسسات الرسمية.
- التدخلات الأمنية ونفوذ المسؤولين: حيث أثيرت تساؤلات حول إمكانية فرض شراكات أو أتاوات على بعض المشاريع.
نتيجة التجربة
ويرى جبلي أن هذه العوامل ساهمت في توجيه الاستثمارات نحو قطاعات تجارية وخدمية سريعة الربح، بدلا من القطاعات الإنتاجية، مشيرا إلى أن الاستثمارات في الصناعات الحقيقية التي تحتاج إلى بنية تحتية ورؤوس أموال كبيرة بقيت محدودة للغاية.
أي استثمارات قد تأتي اليوم؟
انطلاقا من هذه التجربة، يؤكد الخبير الاقتصادي أن المستثمرين – خصوصا الصناعيين – لا يقدمون على الاستثمار في بيئة تفتقر إلى الاستقرار القانوني والمؤسساتي.
ويشير إلى أن البيئة الحالية في سوريا تعاني من مشكلات عديدة، من بينها ضعف البنية التحتية، وغياب قوانين استثمار حديثة، وعدم وجود قضاء اقتصادي متخصص، إضافة إلى غياب الشفافية في إدارة القرار الاقتصادي.
وبحسب “جبلي”، فإن هذه الظروف قد تجعل الاستثمارات المحتملة تتركز في المضاربات والأنشطة التجارية سريعة الربح، التي تسمح لرأس المال بالدخول والخروج بسرعة، بدلا من الاستثمار في قطاعات الإنتاج الحقيقي مثل الصناعة والزراعة.
مخاطر على الاقتصاد
ويحذر “جبلي” من أن مثل هذه الاستثمارات، حتى لو أحدثت انتعاشا مؤقتًا، قد تتحول لاحقًا إلى عبء على الاقتصاد السوري، لأنها لا تسهم في بناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
كما يرى أنها قد تؤدي إلى إضعاف ما تبقى من الصناعة المحلية عبر زيادة الاعتماد على السلع المستوردة، مشيرا إلى أن مؤشرات هذا المسار بدأت تظهر بالفعل في عدد من المدن الصناعية، خصوصًا في حلب.
وختم “جبلي” بالقول إن مواجهة هذه الحقائق، رغم ما قد تحمله من إحباط، تبقى أكثر فائدة من التعويل على آمال غير واقعية بشأن تدفق الاستثمارات دون معالجة جذور المشكلة الاقتصادية.