سوريا 360 – الرقة – محمد الحسون
في البادية الشامية على ضفاف نهر الفرات، يقود “خلف الصايل” قطيعه ببطء، قبل أن يفترش الأرض إلى جوار حماره محاطاً بأغنامه الراتعة على مساحة واسعة، لكنها قليلة العشب.
خرج “الصايل” هذا العام مبكرا رغم أن الربيع لم يبدأ بعد هرباً من فاتورة العلف الباهظة.. يتنهد قائلا: “وضع الأغنام بالرقة سيئ، فالسنوات الماضية سنوات محل، وخاصة أول العام (السنة قبل السابقة)، بعنا بسببها نصف الغنم للمحافظة على نصفها”.
ويمضي محدثا مراسل “سوريا 360“: “والسنة كذلك الأمر بسبب غلاء المواد العلفية، والحلال رخيص، نبيع أربعة أو خمسة رؤوس لشراء طن شعير أو طن ونصف من التبن”، قبل أن يناشد محذرا: “إذا ما الدولة الجديدة ساعدتنا، وضع الأغنام سيئ السنة والوضع تعبان جداً”.
غير بعيد في بادية الرقة نفسها، كان “جاسم الموسى“، يسرح بأغنامه في البرية، محاولا الهروب من تكلفة العلف المرتفعة، قائلا: “خرجنا من أجل المساحة الخالية الواسعة للقطيع، رغم أن الربيع لم يبدأ حتى الآن، ما في عشب ولا شيء، لكن نتوقع إن شاء الله سنة زينة”.
وحسب “الموسى” فإن السنين الماضيات كانت صعبة للغاية على المربين، وإذا تكرر اﻷمر فإنها ستكون “القاضية” على القطيع، مشيرا إلى أنهم لم يعودوا يحتملون غلاء العلف والأدوية البيطرية، وأنهم يعلفون اﻷغنام مرتين باليوم، لكن الهزال باد على أغلبها.
![]()
اقرأ أيضا: الأردن يوقف استيراد الأغنام من سوريا
بعته أو أكلته
تظهر أسعار الأعلاف صعوبة الوضع: فطن النخالة بـ370 دولارا، والشعير بـ345، والحنطة بـ315، أما بذار القطن فبـ335، والتبن بسعر 3500 ليرة للكيلو (الطن بأكثر من 300 دولار!).
مع هذه اﻷسعار اللاهبة ، يضطر المربي لبيع عدة رؤوس من الغنم لتأمين غذاء البقية، مع ما يعنيه ذلك من تقلص تدريجي للقطيع، رغم كل محاولات الحفاظ على العدد الممكن لاستمرار القطيع مستقبلا.
في سوق المواشي على أطراف مدينة الرقة، تظهر الضغوط الكبيرة على المربين حاليا، ويقول “سلطان المحمد“: “كان عندي 300 رأس بقي أقل من 100 رأس، ففي سنوات الجفاف والمحل بعت منها أكثر من 200 رأس لتأمين الأعلاف، وأكلت بعضها”
وطالب منصتنا أن تتقل صوته، قائلا: “نتمنى من الجهات المعنية أن تساعدنا بالعلف أو بأي شيء” يمكن أن يحسن الوضع .
وسط السوق، التقينا الحاج “محمود النزال“، وقد فرغ لتوه من بيع جزء من قطيعيه، فقال: “الحلال اللي بعناه اليوم رايح أشتري بثمنه علف حتى أعيش خواتهم الباقيات”، مضيفا “ربع القطيع بعته، من أجل أن يعيش الباقي”.
يختصر “النزال” معادلة البقاء القاسية، وهو يشير إلى كيس أسود يحمل فيه ثمن ما باعه من الأغنام: “هذا الكيس فيه 4 ملايين رايح اشتري فيه نخالة ..يادوب طن نخالة ويمكن ما يجيب”.
اقرأ أيضا: حلب.. 1300 رأس غنم دعما للمربين في “عندان”
إحصاء وجداول
مواسم جفاف متلاحقة قلصت مساحة المراعي الطبيعية، وغلاء في أسعار الأدوية البيطرية والأعلاف.. كل هذه عوامل تضغط على المربين وتدفعهم لبيع جزء من القطعان لتأمين العلف للجزء الآخر، هكذا فسر الفني البيطري “محمد العلي العماش“، أصل الأزمة الحالية في قطاع الثروة الحيوانية في الرقة.
يقول “العماش” لـ”سوريا 360″ إن “الثروة الحيوانية تعاني غلاء الأدوية وغلاء الأعلاف لأن التجار في الفترة السابقة كانوا يدفعون جمارك لأكثر من جهة”، مشيرا إلى أن رفع هذه الجمارك عن الأدوية البيطرية بعد استلام الحكومة الجديدة ربما يحسن الأوضاع”.
ويوضح أن الحكومات السابقة على مدى عشرات السنوات كانت تدعم القطاع بالأدوية، كثير منها مجاني، مثل اللقاحات والأدوية العلاجية.
معاون مدير الزراعة في الرقة “حمد البكار“، يؤكد من جهته أن المديرية تعمل على ضبط الواقع الميداني.
ويقول “البكار” في تصريح خاص بمنصتنا، إن المديرية تنفذ جولة إحصائية ميدانية لضبط أعداد الثروة الحيوانية في المحافظة، وتنظيم جداول بأسماء المربين وحيازاتهم، قبل رفع هذه الجداول إلى الوزارة ومؤسسة الأعلاف”، مضيفا أنه “في حال توفر الأعلاف، سيتم توزيع المقنن وفق هذه الجداول”
أما بالنسبة للصحة الحيوانية، فالمديرية تنسق مع وزارة الزراعة لتأمين اللقاحات ضد الأمراض السارية والمعدية، بينما يتحمل المربون تكلفة الأدوية العلاجية بعد الكشف من قبل الأطباء البيطريين”، وفق “البكار”.
وفي الخلاصة، فإن الواقع الذي يعيشه مربو الأغنام في الرقة يعكس أزمة مركبة من ارتفاع أسعار الأعلاف بما فيها القش والتبن الذي كان المربي يحصل عليه مجانا في السابق، ولم يكن يدفع سوى ثمن “دراسه”، ناهيك عن غلاء الأدوية الحيوانية، مع تراجع أسعار الأغنام ليتراوح بين 200 و350 دولار للرأس حسب الوزن، ومع ذلك فإن سعر كيلو اللحم في مدينة الرقة يناهز 150 ألف ليرة، لدى القصابين.