سوريا 360- متابعات
بينما كان السوريون يترقبون أي بارقة أمل تخفف عنهم وطأة المعيشة، جاءت صدمة إغلاق الشركة العامة للصناعات الدوائية (تاميكو) لتؤكد أن المواطن يبقى دائما الحلقة الأضعف، وأن فاتورة أي قرار اقتصادي تجبى من صحته وجيبه قبل أي شيء آخر.
فقد أقرت وزارة الصحة يوم الجمعة، بصحة ما تم تداوله عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل حول إغلاق الشركة، مبررة الخطوة بأنها “مؤقتة” ريثما يتم تجهيز مقر بديل في ريف دمشق، غير أن هذا التبرير الرسمي يخفي خلفه أزمة إنسانية واقتصادية تلوح في الأفق.
تعد “تاميكو” التي تأسست عام 1956 واحدة من أعرق شركات الدواء في سوريا والمنطقة، وشكلت منذ تأسيسها خط الدفاع عن المواطن الفقير أمام جشع الأسواق وارتفاع الأسعار، وقد حصلت على شهادة الآيزو 9001/2000 للجودة عام 2003، غير أن مقرها في “المليحة” بريف دمشق تعرض للتدمير جراء حرب المخلوع على الشعب السوري، ورغم ذلك استمرت قي الإنتاج من مقر بديل.
الشركة التابعة لوزارة الاقتصاد والصناعة كانت توفر أدوية عالية الجودة بأسعار مدعومة، ما جعلها الملاذ الوحيد لذوي الدخل المحدود، ومع إغلاقها يصبح المواطن السوري المتضرر الأول والأكبر، إذ يدفع نحو خيارين أحلاهما مر: شركات القطاع الخاص أو الدواء المستورد، وكلاهما يعني ارتفاعا مضاعفا في الأسعار.
اقرأ أيضا: تاميكو تبدأ تصنيع أدويتها في معامل خاصة
مصالح القلة
ويتساءل السوريون اليوم: كيف اكتشفت الحكومة فجأة، بعد أكثر من 6 عقود من الإنتاج، أن المعايير التقنية للمصنع لم تعد مطابقة، بينما يرى خبراء أن ذريعة “عدم المطابقة” غير مقنعة، فمعالجة المخالفات الفنية وضبط الفساد لا يستدعيان إيقاف الإنتاج بالكامل.
ويشير صيادلة إلى أن إغلاق تاميكو يفتح الباب واسعا أمام ارتفاع الأسعار، ويضرب الاقتصاد الوطني في مقتل، عبر تحويل الدواء من خدمة أساسية إلى سلعة تخضع للمزايدات، فيما يذهب آخرون إلى أن القرار متعمد، وخاصة بعد إعلان وزارة الصحة شراكة مع شركة “إيكارديا فارما” التركية لتصنيع الدواء في سوريا، في سيناريو مشابه لما حدث في قطاعات الكهرباء والاتصالات، حيث أدت الخصخصة والاعتماد على الأجنبي إلى فواتير تفوق قدرة المواطن.
ويعبر المواطنون عن استيائهم من عجز الحكومة عن تأمين مقر بديل خلال سنة و3 أشهر، في وقت تنفق فيه ملايين الدولارات على مؤتمرات ومظاهر رفاهية، وتمتلك وزارة الأوقاف نصف عقارات البلاد، في مشهد يعكس تناقضا صارخا وتخبطا إداريا يدفع ثمنه الشعب.
مهما كانت الذرائع، فإن إغلاق “تاميكو” يمثل كارثة صحية واقتصادية سترفع الأسعار بشكل جنوني، وتفتح الباب أمام المستفيدين داخليا وخارجيا، بينما يبقى المواطن، الذي رافق هذه الشركة لأكثر من 60 عاما، هو من يدفع الثمن من صحته وقوت يومه، وبالتالي فإغلاق الشركة ليس مجرد قرار إداري، بل رسالة واضحة بأن الفقراء سيزدادون فقرا في معادلة لا تراعي سوى مصالح القلة.