سوريا 360- متابعات
أعاد عرض ثلاثية “درب الألم“، إحدى ثلاثيات مشروع “القيصر.. لا زمان لا مكان سجون الشيطان”، فتح نقاش واسع في الأوساط السورية حول حدود التوثيق الدرامي، وحساسية تمثيل مرحلة السجون والأفرع الأمنية في عهد نظام بشار الأسد المخلوع، وهي من أكثر الفصول دموية في تاريخ البلاد الحديث.
العمل، الذي كتب ليكون شهادة درامية على آليات القمع داخل المعتقلات، وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة من الانتقادات، بعد تداول مشهد يتضمن إساءة لفظية بحق الشهيد ”عبد الباسط الساروت” على لسان شخصية أمنية، ما دفع البعض لاعتبار المشهد تجاوزاً أخلاقياً.
فيما رأى آخرون أنه جزء من كشف عقلية الجلاد لا أكثر. لكن خلف هذا الجدل، تظهر قصة أكثر تعقيداً تتعلق بكيفية انتقال النص من الورق إلى الشاشة.
الممثل ”سامر كحلاوي” أوضح في بيان لاحق أن النص الأصلي، الذي اطلع عليه قبل توقيع العقد، كان متوازناً، يكشف الإجرام الأمني دون أي إساءة لشهداء الثورة أو رموزها، وأن موافقته على الدور كانت مبنية على التزامه المهني بإظهار الحقيقة الدرامية كاملة. لكنه أشار إلى أن النسخة التي عرضت على الشاشة لا تمثل النص كما كتب، إذ جرى حذف مقاطع تدين النظام ورموزه في مرحلة المونتاج، مقابل الإبقاء على مشاهد تحتوي على شتائم بحق الشهيد ”الساروت”، ما أحدث خللاً في التوازن المقصود.
اقرأ أيضا: القيصر.. بين ذاكرة الضحايا وشهية المتاجرين
هذا الخلل انعكس بشكل مباشر على تلقي شخصية “الرائد يسار”، وهي شخصية محورية تمثل نموذج ضابط التحقيق في أحد الأفرع الأمنية للمخلوع.
الدور لم يكن سهلاً أو مرغوباً، إذ تردد كثير من الممثلين في الاقتراب منه لما يحمله من ثقل أخلاقي وتاريخي.
وفي النهاية، أسند الدور إلى ”كحلاوي”، المعروف بموقفه المعارض للنظام المخلوع وبكونه معتقلاً سابقاً، وهو ما اعتبره البعض ضمانة لتقديم الشخصية بصدق لا يخفف من بشاعتها.
انقسام الآراء
”كحلاوي”، الذي تعرض لاحقاً لحملة تحريض وتشويه وصلت إلى حد التهديد، وجد نفسه في موقع الدفاع عن نفسه لا عن الدور فقط. فقد أكد أن ما جرى في المونتاج لم يكن بعلمه ولا بموافقته، وأن أداءه كان يهدف إلى فضح الإجرام، لا تبريره، أو توجيه أي إساءة للشهيد أو الثورة.
الجدل لم يتوقف عند حدود النص والأداء، بل امتد إلى تفاصيل أخرى، بينها تغييب أناشيد وهتافات للشهيد ”الساروت” كانت حاضرة في السيناريو الأصلي، وتشكل جزءاً أساسياً من البناء الدرامي للحكاية، إضافة إلى تغييرات فرضتها الرقابة، من بينها توحيد اللهجة المستخدمة ومنع اعتماد اللهجة الساحلية لشخصية الضابط، ما أثر بحسب متابعين على واقعية العمل.
في الشارع الثقافي السوري، انقسمت الآراء، فريق رأى أن العمل، رغم ملاحظاته، شجاع في مقاربته لملف السجون، وأن إظهار القبح كما هو، ضرورة أخلاقية لا يمكن تجميلها.
فريق آخر عبّر عن ألمه من أي إساءة لفظية تطال رمزاً ثورياً، حتى لو جاءت في سياق درامي، مطالباً بحساسية أعلى في المعالجة. فيما ركز فريق ثالث على خطورة الخلط بين الممثل والشخصية، محذراً من أن تحويل الخلاف الفني إلى حملات تحريض يعيد إنتاج منطق الإقصاء ذاته الذي ثار عليه السوريون.
وسط هذا كله، يبقى “درب الألم” عملاً فتح جرحاً لم يلتئم بعد، وأعاد التذكير بأن الدراما التي تقترب من الذاكرة السورية ليست مساحة ترف أو استعراض، بل حقل ألغام أخلاقي وسياسي، يتطلب وضوحاً ومساءلة، لا فقط أمام الجمهور، بل داخل صناعة العمل نفسها، مع التأكيد على أن موقف ”سامر كحلاوي” الشخصي والمهني واضح: الدور أداء درامي وليس تبنيا شخصيا، والغاية كشف الحقيقة لا الإساءة أو التحريض.