سوريا 360 – محمد الحمادي
مشاهد “التكويع” الجماعي من قبل أنصار المخلوع كانت متوقعة لحظة هروبه، فطالما قيل لهم إن طائرته لا تتسع للجميع، لكن الذي لم يخطر على بال أبناء الثورة هو أن يتم المتاجرة بجراحهم وآلامهم من قبل شركاء القاتل نفسه، وأيُّ شركاء؟! من ساهم وأيد وبرر عمليات الذبح على مدى 14 عاما، من حاول إظهار أداة القتل على أنها حمامة سلام، وأن الضحية وحش ذو أنياب، وبيدق بيد “المؤامرة الكونية” الساعية لتدمير الجنة التي ينعمون بها تحت راية “سوريا الأسد”.
من هذه الفئة يخرج فنانو النظام، أولئك الذين تسابقوا في صناعة أعمال تسبح بحمد سيدهم وتلمع صورته، حتى غدت مواهبهم أدوات في ماكينة التمجيد، وحين سقط، لم يلوذوا بصمت خجول، ولم يعتذروا، بل ازدادوا صلفا ومكابرة، كأن الذاكرة مثقوبة وكأن الدم لم يسفك.
تمجيد فمتاجرة
جاء رمضان، فجاءت معه سوق المتاجرة المفتوحة. شركات إنتاج ونجوم اعتادوا أداء الأدوار بإتقان، لم يجدوا هذه المرة سوى جراح السوريين سلعة جديدة، ليصعدوا فوق عذابات المعتقلين درجة إضافية في سلم الشهرة، واختاروا لأنفسهم عنوانا مستفزا لجميع أبناء الثورة “القيصر“؛ الاسم الذي اقترن بصور توثق تعذيب وقتل آلاف الضحايا في أقبية الأفرع الأمنية. هكذا تحولت المأساة، مرة أخرى، إلى مشهد يستثمر، لا إلى جرح ينصف.
المتصدرون لهذا العمل الكبير، هم من تهكم إبان سطوة المخلوع وقوته على ضحايا مجزرة الكيماوي، وسخر ممن ركبوا البحار بحثا عن الأمان، وهم أنفسهم من شوه سمعة أهل الخيام، ومجد الميليشيات الطائفية، ورقص فوق دمار منازل المهجرين المدمرة بفعل البراميل المتفجرة، لإيصال رسالة أنها كانت منبعا للإرهاب ويحق للمجرم وقواته تنظيفها وطرد قاطنيها منها، وهم من اتهم المطالبين بالحرية بإنهم من أفقر البلد ودمر الاقتصاد والعملة.
من يجسد “القيصر” والضحايا اليوم هم من قال عندما كان مزهوا بصوره مع المخلوع، إن كل من شارك بالثورة “قيصر”، هو قانون “قيصر” ذاته، بل هو الحصار الذي حرمنا من ملذات الحياة.
المتاجرة الرخيصة والاستثمار الدنيء، هو استخفاف بالدماء، يقتل الضحية مرة ثانية، ويقتل معها ذويها، الذين ما زالوا يبحثون عن أي قصاصة ورق تقودهم لمعرفة مصير أبنائهم، الذين ذاقوا مر العذاب وعاشوا الجحيم في صيدنايا وسجون الأفرع الأمنية، التي أقيمت لإزهاق الأرواح وتحويل الداخل إليها من كائن إنساني إلى رقم على هامش الحياة يتحضر للقتل تحت التعذيب. فمن يملك القدرة على تجسيد آلامهم وتصوير الجحيم الذي صب فوق رؤوسهم، من القادر على تجسيد صورة الوحوش البشرية التي كانت تتلذذ بالتعذيب وسلخ جلود الأحياء وتركهم يموتون ببطء يشاهدون بأعينهم الدود يأكل لحومهم.
![]()
اقرأ أيضا: المذهان: “قيصر” أيقونة سورية ولم أفوض أحدا لتجسيده
حين يتكلم الصامتون
الاستثمار المعيب هذا، دفع “فريد المذهان” صاحب شخصية “قيصر” الحقيقية للقول، إنه يجب أن تُروى المأساة السورية بأقلام الأحرار كما هي، بصدقٍ ووضوح وشفافية؛ في الكتب، في المسلسلات، وحتى على جدران الطرقات، لتبقى حاضرة في الذاكرة ووجعًا لا يُمحى وشهادةً للتاريخ، مؤكدا أنها أمانة في أعناق الأحرار، كي تعرف أجيالنا القادمة ما الذي جرى في سجون الطاغية بشار، ماذا فعل الظلم بأبنائنا في الزنازين المظلمة، وكيف تحوّل الوطن إلى ساحة قهرٍ مفتوح، وكيف انتُهكت الكرامات على يد ميليشيات فقدت كل معنى للرحمة والإنسانية.
القيصر الحقيقي شدد على أنه من المؤلم والمحزن أن نرى اليوم البعض ممن يتحدث باسم المأساة والإنسانية، بينما كان بالأمس صامتا صمت الأموات؛ صمت حين كان قول الحقيقة واجبا، واختار الحياد حين كان الحق واضحا وضوح الشمس. لم يكن الصمت حكمة، بل خذلانا، ولم يكن الحياد شجاعة، بل خوفا على مصالح دنيوية زائلة.
المآسي كما يرى “المذهان” ليست فرصة للشهرة، ولا سلّما للصعود وتلميع ماضٍ أسود، بل مسؤولية أخلاقية يحملها من ثبتوا حين كان الثبات مكلفا، ومن قالوا كلمة الحق وهم يدركون أن خلفها سجنًا أو نفيًا أو حتى قتلا.
صاحب أكبر ملف توثيق لما كان يجرى في سجون المخلوع، أكد أن الوجع سيبقى شاهدا، وستبقى الذاكرة حيّة. فالتاريخ لا يكتبه من تأخروا كثيرا وحضروا بعد أن هدأ الغبار وجفت الدماء، بل يكتبه من صمدوا وقالوا الحقيقة في أصعب اللحظات، معبرا عن أمله في اختيار الأحرار في التعاون معهم مستقبلا.
اقرأ أيضا: بعد طلب”المذهان”.. ايقاف تصوير مسلسل “قيصر”
ألمانيا ورومانيا
من يتصدر لهذه الأعمال اليوم، بهدف تبييض صفحته السوداء دون تكليف نفسه بالاعتذار العلني على الأقل، هم أشد بشاعة ودموية ممن قال أيام المحرقة “الأسد أو نحرق البلد”، فإن لم يعتزلوا هذا الشأن، فإن أهل الثورة كما يقولون ماضون في تطبيق سياسة العزل بحقهم والعمل بمبدأ المقاطعة الاجتماعية والثقافية كما حدث في ألمانيا بعد سقوط النازية عام 1945، حيث خضع الفنانون المرتبطون بالنظام النازي لمحاكمات شعبية أخلاقية، منعت بعضهم من العمل لفترات طويلة، وبقيت سمعتهم مرتبطة بتاريخهم السياسي رغم محاولات التبرؤ.
وفي رومانيا أيضا، وبعد ثورة شعبها عام 1989، واجه الفنانون المؤيدون لنظام “تشاوشيسكو” رفضا شعبيا واسعا أيضا، والأمر ذاته جرى في تشيلي بعد عهد “بينوشيه” العسكري، احتفظت الذاكرة الجمعية هناك بمواقف الفنانين حيث واجه بعضهم مقاطعة أخلاقية ونقدا مستمرا في الإعلام.
ﻻ يريد فنانو السلطة أن يقروا أن الفن ليس معزولا عن السياسة والأخلاق، وأن الشعوب بعد التحرر، تعيد كتابة تاريخها الثقافي كما تعيد كتابة تاريخها السياسي، وسيسجل في صفحاتهم حجم خذلناهم وتآمرهم على من أوصلهم إلى النجومية، واستبشر بهم خيرا، إن لم يكن بالأفعال والأقوال، فعلى أقل تقدير بالصمت فهو أهون الشّرين.