سوريا 360- متابعات
لم يكد يمضي يوم واحد على إعلان وزارة الإعلام إطلاق “مدونة السلوك المهني والأخلاقي للعمل الصحفي” حتى تحول الحدث من مناسبة رسمية إلى محور جدل واسع وانتقادات حادة داخل الأوساط الإعلامية.
فبدلا من استقبالها بوصفها خطوة لتنظيم المهنة وتطويرها، أثارت “المدونة” أسئلة جوهرية حول تعريف الصحفي وتمييزه عن الناشط على وسائل التواصل، فضلا عن المرجعية القانونية التي تستند إليها، ودور نقابة الصحفيين في ظل غياب قيادتها المعينة.
وتركزت الانتقادات على أن إعداد المدونة وإقرارها جاءا من جهة تنفيذية هي وزارة الإعلام، في حين يفترض أن تكون هذه المهمة من صلب اختصاص اتحاد الصحفيين لا السلطة التنفيذية، وهو ما فتح الباب أمام نقاش أوسع حول استقلالية العمل الصحفي والجهة المخولة بوضع قواعده الناظمة.
وصاية أم تنظيم مهني؟
الصحفي “عدنان علي” رأى أن الإشكالية تكمن في أن وزارة الإعلام، بوصفها جهة حكومية، هي من تولت إعداد المدونة وأعلنت عن إطلاقها، ما يخلق لبسا حول طبيعة علاقة الحكومة بالمهنة.
وأشار إلى أنه كان يفترض أن تصدر المدونة عن الصحفيين أنفسهم، لا عن جهة وصائية، لافتا إلى أن “المدونة” لا تشكل مرجعا قانونيا يمكن الاحتكام إليه في حال النزاع، وخاصة في ظل بقاء قانون الإعلام الصادر عام 2011 معلقا بين التفعيل والإلغاء دون بديل واضح.

اقرأ أيضا: وزارة الإعلام تطلق مدونة السلوك المهني
وذهب الصحفي “محمد السلوم” أبعد من ذلك، حيث دعا إلى إطلاق عريضة ترفض تدخل مؤسسة رسمية في رسم أخلاقيات المهنة، منتقدا حجم المدونة التي بلغت 88 صفحة، وبأن حجمها أكبر من عدد من الدساتير العالمية.
وشبه “السلوم” الوضع بـ”سائق لا يناقش شرطي مرور أوقفه، لأن النتيجة محسومة، إذ سيتعرض للمخالفة لأن الشرطي أعلم بتفاصيل قانون المرور”، معتبرا أن الجهة التي وضعت “مدونة السلوك” ستكون الأقدر على استخدامها لمحاسبة الصحفي الذي “يغرد خارج السرب”.
سترات “علي إكسبريس”
لم تسلم الأرقام المعلنة من السخرية، إذ أثار الترويج للمدونة على أنها نتاج عمل “1000 إعلامي” استغرابا واسعا، وفي هذا السياق يقول “السلوم”: “لنكن صريحين، سوريا كلها ليس فيها 1000 صحفي حقيقي”، متسائلا عن مبرر هذا التضخم العددي.
ويشاركه النظرة التشكيكية الصحفي “جودت حسون”، مستذكرا أولئك الذين “اشتروا من (علي إكسبريس) سترة نجاة مكتوبا عليها (Press)” ليخوضوا بحر المتاعب، في إشارة ساخرة إلى الدخلاء على المهنة.
ويختزل “حسون” قراءته للمدونة بمصطلح كانت تردده جدته: “يلعن دواوينك”، في إشارة إلى انتقاداته غير محسوبة النتائج، وفي تعبير عن خشيته من أن تتحول “المدونة” إلى أداة لتقييد العمل الإعلامي بدلا من تنظيمه.
أما الصحفي “فؤاد عبد العزيز” فاختار السخرية أيضا، قائلا: “أهم شيء أننا كصحفيين عرفنا تصنيفنا.. بعد الرقم 1000.. موقع ممتاز”!.
غياب النقابة.. وصمت رئيسها
وسط الجدل حول مضمون “المدونة” وأحقية من يصدرها، برز سؤال جوهري طرحه الصحفي “حسن الخلف” حول “غياب رئيس اتحاد الصحفيين السوريين”، إذ يصف هذا الغياب بأنه لم يعد تفصيلا عابرا، وخصوصا بعد مرور عام على تعيينه دون حضور يوازي المنصب، لا في المناسبات المفصلية ولا حتى في مهرجان إطلاق المدونة، حيث كان “الكرسي الأهم شاغرا”.
وتساءل “الخلف”: “حين يطول الغياب، لا يتساءل الناس عن الشخص بقدر ما يتساءلون عن الوظيفة ذاتها: هل رئاسة الاتحاد موقع فاعل فعلا؟ أم مجرد توقيع في قرار إداري؟”، مؤكدا أن الحضور جزء من الشرعية في الشأن العام.
في المحصلة، يبدو أن الإجماع الصحفي يميل إلى أن التشريع أولى من الاحتفال، فبحسب أبناء المهنة الحقيقيين، “الأجدر أن تكون الكلمة الأساس لقانون الإعلام”، لا للمظاهر الاحتفالية والبوفيه المفتوح لموضوع لا يستحق كل هذا الصخب.
وبين رفض للتدخل الحكومي، وتشكيك في الأرقام، وصمت نقابي، تبقى “مدونة السلوك” معلقة بين نوايا التنظيم الرسمي وواقع مهني يبحث عن هويته واستقلاليته بعيدا عن “الدواوين” والوصايات.