سوريا 360- جودت حسون
نبرته عصية على النسيان حين كانت تكسر صقيع موسكو بحرارة أداء يفضح عشقه للمسرح، لكنه يبقى متشبثا بالموضوعية والمهنية، فمن ينسى لازمته في ختام تقاريره لقناة “الجزيرة” من قلب العاصمة الروسية “أكرم خزام – الجزيرة -موسكوووووو”.
سير الأقدار وقناعة الإعلامي المولود في حمص 1956 دفعاه لمغادرة قناة “الرأي والرأي الآخر” بعد أن تحول الشعار، كما يقول إلى “الرأي والرأي الأوحد”، ليسهم في تأسيس قناة “روسيا اليوم“، قبل أن يغادرها رفضا لفرض قواعد تخالف قناعاته أيضا، ليتابع رحلته الإعلامية في “الحرة” ثم “الغد“، لينتهي به المقام مستقرا بالعمل التدريسي الخاص بالإعلام في الأردن.
لم يخفِ “خزام” تشاؤمه من واقع الإعلام السوري، فكشف في حوارنا معه سر لقاء جمعه مع المبدع “محمد الماغوط” في أحد مقاهي الشام، فماذا قال له؟
هذا السر وغيره من الأسرار يسردها “خزام” خلال حديثه عن مسيرة ملأى بالأحداث في الحوار التالي:
من أحد نجوم قناة “الجزيرة” إلى المشاركة في تأسيس قناة “روسيا اليوم” عربيًا، فالعمل في “الحرة” و”الغد”؟ كيف تنظر اليوم إلى هذا المسار المتغير في الإعلام الدولي؟
من المؤسف جدا أن مساحة الحرية النسبية التي تم منحها لبعض القنوات الإخبارية التلفزيونية، ولبعض الجرائد كالحياة والشرق الأوسط وإيلاف، ذهبت أدراج الرياح. فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن شعار قناة الجزيرة “الرأي والرأي الآخر” تحول وأصبح “الرأي و الرأي الأوحد”.
لا غرابة في ذلك خاصة في بلداننا العربية التي تعتبر أن السلطة الرابعة مجرد ديكور يهدف إلى إقناع الغرب بوجود فصل بين السلطات وآراء متنوعة داخل الشاشة الإخبارية. وقد طرحت أكثر من مرة سؤالا في مؤتمرات إعلامية: هل لدينا في العالم العربي سلطة ثانية وثالثة حتى يكون لدينا سلطة رابعة ؟؟ لدينا سلطة واحدة تتمثل في سلطة الملك أو الأمير أو رئيس الجمهورية، وبالتالي ظلت المؤسسات الإعلامية على اختلاف أنواعها محكومة بقرار السلطة الوحيدة التي تحدثت عنها آنفا!!
أما المؤسسات الإعلامية الدولية، فقد عانت في الآونة الأخيرة من تقليص مساحة الحرية، وهذا ما ظهر جليا في الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية الكبرى.
وحسب جورج دبليو بوش “من ليس معنا فهو ضدنا”!! وتم تقليد هذا المبدأ من كبريات المؤسسات الإعلامية في أوروبا وروسيا، ودول مثل إيران وإسرائيل والهند وكندا. وتجدر الإشارة إلى أن الدول المذكورة أعلاه احتكرت الرأي في القضايا العالمية الكبرى، وأبقت هامشا ضئيلا ومساحة لنقد السلطات فيما يتعلق بدورها بكيفية حل الأزمات الداخلية لهذا البلد أو ذاك.
عموما عانت المؤسسات الإعلامية مؤخرا من سياسة النمطية وتقسيم العالم والأفكار والسياسات إلى مبدأ “الأبيض والأسود” “الخير و الشر”، وبالتالي تضاءلت فكرة اتباع الموضوعية والمهنية….من هنا نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية فكرة البودكاست كبديل لممارسات المؤسسات الإعلامية الكبرى. وتم تقليد هذه الفكرة في العديد من بلدان العالم بغض النظر عن مدى نجاح وجدية هذا النوع من الإعلام المضاد في هذا البلد أو ذاك.
![]()
القناعة أمانة
ما الذي تغيّر في قناعاتك المهنية بين تجربتك في “الجزيرة” وتجاربك اللاحقة في مؤسسات أخرى؟
قناعاتي المتمثلة بضرورة اتباع المهنية والموضوعية في الريبورتاجات أو الأفلام الوثائقية أو اللقاءات مع الرؤساء والوزراء في أكثر من بلد، ظلت كما هي. فقد بقيت أمينا لقناعاتي التي تعلمتها من أول مدير عام لقناة “الجزيرة” الاستاذ “محمد جاسم العلي” عندما سألته: ما الذي تريدونه من روسيا؟ فأجابني: “نصيحتي لك أن تتبع السياسة التالية: (رئيس روسيا بوريس يلتسين ليس ابن عمك وأصلان مسخادوف رئيس جمهورية الشيشان ليس عدوك”. تخيلوا كم كان كلامه بسيطا وعميقا في آن!!. لكن وبعد إقالة “محمد جاسم العلي” سيطر التنظيم الدولي للإخوان المسلمين على المفاتيح الرئيسة في قناة “الجزيرة”، ومن ثم لم يعد هناك رأي ورأي آخر وانتهى بي المطاف إلى خارج قناة “الجزيرة” بداية 2006.
في العام نفسه طلب مني “الكريملن” تأسيس قناة “روسيا اليوم” باللغة العربية… تابعت العمل من خلال قناعاتي إلى أن حدث الصدام بسبب مطالبته إدراج مصطلحات تكرس سياسته مثل “الإرهابيون الشيشان” “الفوضويون في الشارع بدلا من المتظاهرين”….الخ.
قدمت استقالتي من إدارة قناة “روسيا اليوم” طلبتني بعد ذلك قناة “الحرة” وسألت إدارتها فورا: ماهي الممنوعات في عملي لديكم كمراسل جوال في منطقة الشرق الأوسط؟ وأجابتني الإدارة بوضوح تام: ممنوع التعرض سلبا للأقليات الدينية والعرقية والمذهبية، وممنوع أيضا النيل من الحريات السياسية، إضافة إلى ضرورة احترام حقوق المرأة والدفاع عنها.
مضيت في هذا الاتجاه ونجحنا في أكثر من تغطية إخبارية لـ”ثورات الربيع العربي” في تونس ومصر و ليبيا واليمن والسودان.
بعد ذلك وافقت إدارة “الحرة” على اقتراح برنامج اسميته “حكايات مع أكرم خزام“، وباختصار شديد، فإن فكرة البرنامج تقوم على كسر التابوهات الحمراء والكشف عن المستور في العالم العربي. وبالرغم من نجاح البرنامج وبالرغم من تنفيذ 380 فيلما عن مشكلات العالم العربي، فإن الإدارة قررت إيقافه بعد اعتراضات شديدة من قبل سلطات أكثر من بلد عربي على مضمون البرنامج… أيضا، و احتراما لقناعاتي، قررت الاستقالة من قناة “الحرة” والاتجاه صوب قناة “الغد”، وكان لي فيها برنامج “القنديل” من إعدادي وتقديمي. وهو عن التنويريين العرب، ومن ثم برنامج “حقائب مع أكرم خزام“.
البرنامج المذكور آنفا يتمحور حول اللقاء برئيس سابق أو وزير سابق في هذا البلد أو ذاك للكشف عن سلوكه في فترة تسلمه لمنصبه. وكنت أشعر يوما بعد يوم أن هامش الحرية يتقلص تدريجيا،إلى أن وصلت الأمور إلى نهاياتها بتقديم استقالتي والتوجه إلى التدريس والتدريب في الجامعات.
إلى أي حدّ يستطيع الصحافي الحفاظ على استقلاليته داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى؟
-عموما، لا توجد استقلالية في المؤسسات الإعلامية بالمعنى المطلق لمفهوم الاستقلالية. وبتقديري فإن دور أي إعلامي يتمثل في الإمساك بالعصا من الوسط لكي يستطيع الاستمرار في عمله من جهة، ويقيم توازنا بين توجيهات المؤسسة الإعلامية والقناعات المهنية. من جعة أخرى. لكن الأمور ستتجه بالنهاية صوب الطلاق خاصة في فترة الأحداث الجسام مثل غزة ومقتل قياديي “حزب الله” اللبناني إلخ..
![]()
تجربة الناشط الإعلامي
شهدت سوريا تجربة إعلامية غير مسبوقة، حيث سيطر ناشطون يحملون كاميرا وهاتفا على مشهد التغطية… كيف ترى هذه الظاهرة؟
نحن أمام طريقة أعتبرها سيئة في عمل المؤسسات الإعلامية، ألا وهي نقل صور لحدث ما من الزاوية اليمنى للشاشة وكلام المراسل من الزاوية اليسرى للشاشة، فقد افتقدت المؤسسات إلى “الريبورتاج” الذي يعتبر نبض أي نشرة إخبارية. دب الملل لدى المشاهد وبات العزوف عن متابعة القنوات التلفزيونية الإخبارية سمة شملت العديد من هذه القنوات. وأمام هذا الوضع برز دور الناشطين الإعلاميين الذين اعتبروا أن مكانهم في الميادين الرئيسة ضمن مناطق النزاعات، وحملوا الكاميرات ونقلوا للعالم أجمع ما يجري هنا أو هناك، وكرست هذه الظاهرة نفسها وصار لها ملايين المتابعين خاصة بين أوساط الشباب.
ما الفارق الجوهري بين الصحافة الاحترافية و”صحافة المواطن” من حيث المسؤولية والمصداقية؟
من الناحية النظرية يجب على الصحافي المحترف نقل المعلومة بأمانة ونزاهة دون تحيز لطرف على آخر، وبالتالي يتميز عن صحافة المواطن بالوعي والمسؤولية والمهنية والموضوعية. في صحافة المواطن تسيطر لغة الانفعال والسرعة بهدف الحصول على الترند مقابل التريث والدقة وصحة المعلومات.
هل تتحمّل المؤسسات الإعلامية مسؤولية عدم تأهيل هذا الجيل إعلاميًا؟
من الناحية النظرية يجب فعلا على المؤسسات الإعلامية تأهيل أجيال إعلامية، لكن من الناحية العملية بات واضحا أن سياسة الاستقطاب والبروباغندا الفجة تغلبت على القاموس الأخلاقي وشرف المهنة لهذه المؤسسة الإعلامية أو تلك، خاصة إذا عرفنا أن عددا لا بأس به من المراسلين أو المذيعين والمذيعات يتم اعتماده ليس على أساس الكفاءة وإنما بناء على اتصال هاتفي من الأعلى.
![]()
مستقبل الإعلام السوري
في ظل تجربة إعلامية فتية، كيف ترى مستقبل الإعلام في سوريا ما بعد الحرب؟ وهل ترى فرصة حقيقية لقيام إعلام سوري مستقل؟
في 1991 كنت في زيارة إلى دمشق وكنت أعرف أن الراحل الشاعر “محمد الماغوط” يجلس في مقهى الشام واتجهت إلى هناك لمقابلته.
سألته: كيف ترى مستقبل الأوضاع في سوريا استاذ محمد؟
ابتسم وقال: عزيزي أكرم عليك أن تنسى فعل المستقبل في بلدنا… ليس أمامك سوى اختيار فعل الماضي!
من هنا أقول إن مستقبل الإعلام في سوريا بعد الحرب مظلم وضبابي، ليس ثمة استراتيجية واضحة لهوية الإعلام السوري. يجري الآن تقليد برامج المهاترات بين الضيوف. ثمة انعدام للأفلام والبرامج الوثائقية. صراخ… صراخ.. صراخ.. فعن أي مستقبل أتحدث؟؟ للأسف الشديد المشهد قاتم وتسوده الفوضى.
ما الشروط المهنية والسياسية اللازمة لبناء إعلام وطني موثوق؟ وما دور الإعلام في منع إعادة إنتاج الاستبداد؟
منع إعادة إنتاج الاستبداد يتطلب رؤية واضحة لما نريده من الإعلام…منذ فترة عادت صور القائد والجماهير لتتسيد المشهد. عادت صورة القائد الملهم المبتسم المفكر الحنون. وغابت عن الشاشة صورة معاناة المواطنين من ارتفاع أسعار الكهرباء ومن ازدحام الطرقات، ومن العوز والفقر ومن الطائفية أيضا.
لو كنت اليوم في موقع قرار إعلامي في سوريا، ما أول خطوة ستتخذها؟
أول خطوة سأتخذها فيما لو كنت في موقع اتخاذ القرار حل وزارة الإعلام لقطع الطريق على البيروقراطية والتراتبية والمحسوبية، مع إطلاق العنان للقطاع الخاص في الإعلام. واعتماد مبدأ رئيس ووحيد “المهنية والموضوعية” في وسائل الإعلام البصرية والمسموعة والمكتوبة.
ما النصيحة التي توجهها للجيل الجديد من الصحافيين السوريين؟
لا أحب لغة النصائح، لكن وباختصار: إذا رغبت في أن تكون صحافيا فعليك أن تكون أنت، أي لا تقلد أحدا… كن أنت فقط.
اليوم بالنسبة للصحافي ليس 24 ساعة وإنما أكثر بكثير…
إذا شعرت بأن الشغف يغادرك، فعليك فورا المغادرة من أي مؤسسة إعلامية.