سوريا 360 – محمد الحسون
في محافظة دير الزور، حيث لا تزال آثار النزاع حاضرة في كل زاوية، يشتعل جدل عشائري جديد حول عودة شخصيات مرتبطة بنظام المخلوع بشار الأسد، بينهم “مهنا الفياض“، شيخ قبيلة “البوسرايا“، والمرتبط بعلاقات وثيقة مع أجهزة النظام الدموي، والذي أصبح محور نقاش محتدم بين السلطات المحلية وأعيان قبيلته وثوارها.
الاجتماع الذي عقد الأسبوع الماضي بين المحافظ “غسان السيد أحمد“، وقائد الأمن الداخلي العقيد “ضرار الشملان“، وأفراد من قبيلة “البوسرايا”، كشف التوتر الدائم بين رغبة السكان في تحقيق العدالة الأمنية وواقع النفوذ العشائري، في مشهد يعكس صعوبة إدارة التوازن بين القانون والعدالة ضمن البيئة العشائرية القائمة على الروابط العائلية والعادات والعرف العشائري.
طالب أعيان “البوسرايا” ومجموعة من الثوار خلال مناقشة الوضع الأمني في المحافظة مع العاملين في وزارتي الدفاع والداخلية والمحافظ باتخاذ إجراءات لملاحقة بقايا عناصر النظام المخلوع، خصوصًا في الريف الغربي (الشميطية والتبني)، بما يضمن تعزيز الاستقرار وترسيخ سيادة القانون، تبين لا حقا أن الاجتماع تضمن انتقاد عودة بعض الشخصيات، ومن ضمنها “مهنا الفياض” إلى المنطقة رغم تورطهم مع نظام الأسد.
وقال محافظ دير الزور في كلمة ألقاها خلال اجتماع عشائري إن السلطات المحلية “ملتزمة بخدمة الأهالي وصون حقوقهم”، مشددًا على رفضه إطلاق سراح من وصفهم بـ“المجرمين”.
وأشار إلى أنه تواصل مع وزير الداخلية لبحث ملف إخراج عناصر متهمين بارتكاب انتهاكات، مقترحًا نقل بعضهم خارج المحافظة أو منع عودتهم لفترة محددة بثلاث سنوات على الأقل “احترامًا لمشاعر السكان”، مضيفا أن أي مطالب للأهالي يجب أن تُصاغ بشكل واضح لرفعها إلى الرئاسة ووزارة الداخلية.
وانتقد “أحمد” ما اعتبره استفزازًا للأهالي عبر استقبال بعض الشخصيات المثيرة للجدل علنًا عند مداخل المدينة، في إشارة لاستقبال “مدلول العزيز“، و”فرحان المرسومي“، إضافة إلى “الفياض”، الذين خضروا أكثر من دعوة إلى ولائم أقامها شيوخ عشائر .
![]()
اقرأ أيضا: استقبال الأبطال لـ مدلول العزيز في دير الزور!
*دور “مهنا الفياض”
“مهنا فيصل الفياض” هو شيخ بارز في قبيلة “البوسرايا”، ويُعرف بارتباطه الوثيق مع الأجهزة الأمنية التابعة لنظام “بشار الأسد” في منطقة الريف الغربي لدير الزور، وكان عضوًا في مجلس الشعب التابع للنظام السوري في فترات سابقة.
اعتقل “الفياض” أواخر 2013 مع عشرات من رجال عشيرته من قبل فصائل عسكرية بينها “حركة أحرار الشام“، إثر اشتباكات في بلدة “الشميطية“، ثم ظهر بمقطع مصوّر له بعد الاعتقال، بينما كانت الاشتباكات بين مسلحي العشيرة والفصائل تخلف خسائر.
في السنوات اللاحقة، لعب “الفياض” دورًا في السياسات المحلية والأمنية كأبرز القادة العشائريين الذين يسعون للحفاظ على مصالح عشيرتهم، أو ربما استخدامها كوسيلة للحصول على مكانة خاصة ينافس من خلالها شيوخ القبائل الكبيرة في دير الزور ضمن مناطق سيطرة النظام أو في مناطق التماس بين النظام والفصائل الأخرى (التنظيم وقسد).
بعد سيطرة النظام بدعم روسي على مدينة دير الزور، تعهد الشيخ “الفياض” لأبناء قبيلته بالأمان، مستغلا علاقته برموز النظام، ما دفع الكثير من الشباب المطلوبين من النظام، للعودة إلى المنطقة والانخراط في ميليشيا “الدفاع الوطني“، وهو مشروع “الفياض” الذي نافس من خلاله باقي الشخصيات الموالية لبشار الأسد، لكن هذا التصرف جر على أبناء “البوسرايا” انتقام تنظيم “الدولة الإسلامية”، وسقط العشرات منهم في هجمات لعناصر التنظيم في بادية دير الزور الغربية بسبب انخراطهم في هذه الميليشيا.
*هجوم على المحافظة
في انتخابات مجلس الشعب السوري لعام 2024، خسر “الفياض” منصب عضويته، وذكرت تقارير إعلامية –وقتها- أن ذلك أثار خلافات داخل المحافظة، عندما قاد مسلحين من قبيلته مقتحمًا مبنى المحافظة في دير الزور، ووجه اتهامات إلى منظمي الانتخابات بـ “التزوير” وتعدّى جسديًا على بعض المسؤولين بينهم منافسه بقيادة الدفاع الوطني “فراس الجهام“، ما استدعى تدخل الأجهزة الأمنية الرسمية.
“مهنا الفياض” يُنظر إليه من قبل أنصاره باعتباره ممثلًا للعشيرة وقائدًا مفوها قادرًا على حماية مصالح أفرادها، ففي مايو/أيار 2023 طالب بمحاسبة عناصر من الفرقة الرابعة على خلفية مقتل شابين من أبناء القبيلة، ولم تنته الأزمة إلا بتدخل من شقيق المخلوع “ماهر الأسد” الذي توسط لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.
بينما ينتقده خصومه المحليون باعتباره قريبًا من النظام السابق ويتهمونه بعمليات تجنيد الشباب لصالح المخلوع وحلفائه وقتل نتيجة ذلك العشرات منهم ومن عائلاتهم.
اقرأ أيضا: الشملان: إبعاد قادة ميليشيات المخلوع خارج دير الزور
*لقاء مع قائد الأمن العام
قال أفراد من عائلة “مهنا الفياض” إن مطالب بعض وجهاء قبيلة “البوسرايا” بإبعاده عن ريف دير الزور الغربي “لا تستند إلى مسار قانوني واضح”، وذلك عقب اجتماع ضم مسؤولين محليين ووجهاء عشائريين لبحث الأوضاع الأمنية في المحافظة.
وذكر بيان منسوب لأحد أقارب “الفياض” يدعى (أبو ثامر الفياض) أن الشيخ “مهنا الفياض” استُدعي بعد اجتماع الوجهاء بالمحافظ إلى مبنى المحافظة والتقى قائد الأمن العام لمدة نحو ساعة في جلسة “سؤال وجواب جرت باحترام”، قبل أن يعود إلى منزله دون اتخاذ إجراءات قانونية بحقه. وأضاف البيان أن من بين الطروحات التي نوقشت خلال الاجتماع مسألة إبعاده عن المنطقة، مشيرًا إلى أن هذا المطلب تكرر في مناسبتين خلال العام الماضي.
وأشار البيان إلى أن مبررات المطالبة بالإبعاد تتعلق باعتبار بعض الأهالي أن وجود “الفياض” يثير حساسيات لدى عائلات متضررة من سنوات النزاع ومشاعر أمهات الشهداء، في حين تقول عائلته إنه لعب أدوار وساطة اجتماعية وساهم في مساعدة موقوفين ومدنيين خلال فترات سابقة، معتبرا أن حصر المطالب بشخص واحد “يمثل كيلًا بمكيالين” مقارنة مع شخصيات أخرى في المنطقة كانت لها علاقات سابقة مع السلطات.
ودعت عائلة “الفياض” إلى معالجة أي اتهامات عبر مؤسسات الدولة والقضاء، محذرة من أن الخلافات العشائرية قد تؤدي إلى توترات اجتماعية في المحافظة.
تشير مصادر محلية إلى أن عددًا من الشخصيات العشائرية في محافظة دير الزور تربطها علاقات سابقة مع نظام المخلوع، من بينهم “فراس الجهام”، القيادي في ميليشيا “الدفاع الوطني”، و”مدلول العزيز”، والعضو السابق في ما كان يعرف بـ “جبهة النصرة”، إضافة إلى “فرحان المرسومي” أحد وجهاء عشيرة “المراسمة” بالبوكمال والمقرب من الحرس الثوري الإيراني، و”نواف البشير“، شيخ قبيلة “البكارة“.
وأكدت المصادر أن بعض هؤلاء عادوا إلى المحافظة علنًا، من بينهم المرسومي والعزيز، ما يسلط الضوء على التعقيدات السياسية والعشائرية المحيطة بمطالب بعض الوجهاء بمحاكمة أو إبعاد “مهنا الفياض”، وضرورة تطبيق أي اجراء قانوني على جميع الشخصيات الموالية لبشار الأسد.