سوريا 360- إيثار عبدالحق
لست أدري ما الذي أملى على “اﻷمانة العامة للشؤون السياسية” إقامة جناح ضخم لها في معرض الكتاب الحالي، ولست أعلم على وجه اليقين من الذي “هندس” الجناح ليبدو بالشكل الذي بدا عليه، ﻻسيما فيما يخص عرض صور شخصيات عالمية، مع اقتباسات تخصها.
لكن ما لفتني أن معرضا يفترض أن يقدم المعرفة بوصفها أداة تنوير وتبصير، قد وقع في التضليل ﻻنشغاله باقتباس “جميل” من هنا أو هناك، وكأن الذي اختار بعض تلك الاقتباسات لم يكلف نفسه الذهاب أبعد من صفحة مختصة بجمع ما يدغدغ مشاعر الناس من جمل منزوعة من سياقاتها.
أربع وأربعون
والحديث يخص هنا صورة الروائي الأمريكي “مارك توين” التي ضمها جناح “اﻷمانة السياسية” وبجانبها اقتباس يخص دمشق، ويتغنى بعراقتها وإيغالها في التاريخ.
والواقع أن هذا اﻻقتباس، ﻻيبدو أكثر من استثناء ضئيل في خضم ما كتبه “توين” عن دمشق، ضمن مذكرات “اﻷبرياء في الخارج، مسار الحجاج الجديد“، كما هو العنوان الكامل للمذكرات التي نشرت عام 1869، وسنتخذ من إحدى نسخها اﻷصلية المحفوظة في “مكتبة فرجينيا” بالوﻻيات المتحدة، مرجعا فيما سنعرضه عنها وعن محتواها بخصوص دمشق.
ففي الفصل الرابع واﻷربعين الممتد بين الصفحتين 454 و464، يرد ذكر “دمشق” 44 مرة!، ضمن صفحات كتبها “توين” بعقلية ومفردات ﻻ تختلف كثيرا عن تلك التي حكمت أعمال غلاة المستشرقين، من استعلاء وازدراء، فضلا عن اﻻعتماد الفج على مسميات وطروحات “الكتاب المقدس” ﻻسيما عهده القديم، حتى ليخال إليك أنك ﻻ تقرأ أبدا لـ”توين” الذي قُدّم وما زال يُقدم كواحد من أهم الروائيين، ليس في أمريكا وحدها، بل على مستوى العالم.
اقرأ أيضا: كناسة تحت سجادة اتحاد الكتاب العرب.. بين قنطار اﻹقالة ودرهم العتيق
مومياوات وأشرار
“دمشق لا تقيس الزمن بالأيام والشهور والسنوات، بل بالممالك التي شهدت بزوغها وازدهارها ثم أفولها”.. هذه العبارة التي وردت في الصفحة 457 من الفصل الرابع واﻷربعين من كتاب “توين” والتي “بروظتها” اﻷمانة السياسية في جناحها بمعرض الكتاب، ضمن ما “بروظت” من مقوﻻت.
عبارة “توين” هذه لم تكن في الحقيقة سوى “واحة” في صحراء قاحلة من مفردات احتقارية نعت بها الكاتب دمشق وأهلها، ونحن نذكر مثال الواحة والصحراء هنا، ﻷن “توين” شدد في أحد أوصافه على أن “دمشق” ليست أكثر من “واحة” وسط الصحراء الشاسعة وبدوها.
لقد وصف “توين” دمشق فيما وصف بأنها “بؤرة للقذارة والقبح”، مدعيا أن رؤيتها من فوق ما سماها “تلة محمد” ومن بعيد تكفي، وأن ﻻ داعي لدخولها، وأن “النبي (محمد) كان حكيما من غير إدراك منه” عندما اكتفى بالوقوف على أطراف دمشق ولم يدخلها، حسب تعبيره.
ولو رحنا نترجم كل ما أورده “توين” في هذا الفصل القصير المقتصر على 10 صفحات، لبات النص الذي نكتبه نقلا حرفيا عن “توين” نفسه مجرد قيح وصديد!، فلا تسل عن وصفه الدمشقيات بـ”المومياوات” وﻻ عن قوله إن الدمشقيين “هم أكثر اﻷشرار شناعة وشراسة من بين كل من رأيناهم”، وأن “دمشق” ليست سوى “أشد حمأة تطرف محمدي (بهذا الوصف) خارج نطاق الجزيرة العربية”، ومدينة عبارة عن “بؤرة من القذارة والبؤس الشديدين”.
وثنيون
ولم يتورع “توين” أبدا في حديثه عن “ذبح 5 آﻻف” مسيحي في دمشق وذلك عام 1861، وأن “المحمديين” رفضوا حتى دفنهم، بل ومضى نحو بدايات التاريخ المسيحي ليقول إن أهل دمشق أنفسهم حاولوا قتل “بولس” (اليهودي شاؤول)، محملا المدينة وأهلها وزر حوادث مضى عليها نحو 1800 عام، وكأنه شهدها بعينه وخبر فيها المجرم من البريء.
كما لم يجد “توين” حرجا في وصف دمشق بالمدينة التركية، ولهذا فإنها حسب رأيه تستحق الدمار أسوة ببقية أراضي اﻹمبراطورية العثمانية.
إنها 10 صفحات وحسب (علما أن متوسط كلمات الصفحة الواحدة يناهز 330 كلمة)، ولكنها حافلة بكل ما يمكن تخيله من أوصاف اﻻحتقار واﻻستعلاء التي يمكن أن تشكل قاموسا مناسبا ﻷشد اعتقادات البشر فاشية، هذا إذا استثنيا فيض المعلومات المضللة ومنها: وجود قبور لـ”أبناء محمد” في دمشق (يوردها باللفظ التركي مهمت)، وحمار بلعام اليهودي الذي شرب من “عين الفيجة” فجعل نبعها مقدسا.. إلخ.
ونختم بهذه الفقرة التي يدونها “توين” في الصفحة ما قبل اﻷخيرة من الفصل الرابع واﻷربعين: “يؤلمني كبريائي أن أرى هؤلاء الوثنيين (أهل دمشق المسلمين) يرفضون تناول الطعام الذي طُبخ لنا، أو الأكل من طبق أكلنا منه، أو الشرب من قربة دنّسناها بأفواهنا المسيحية، إلا بتصفية الماء بقطعة قماش يضعونها على فوهتها أو بإسفنجة! لم أكره صينيا قط كما أكره هؤلاء الأتراك والعرب المنحطين”، راجيا أن تحطمهم “روسيا” وأن ﻻ تتدخل إنجلترا أو فرنسا لحمايتهم!
أشد ضررا
ويبقى أن نقف عند أمرين، اﻷول هو أن “توين” روائي وقاص له عشرات اﻷعمال التي بيعت كتبه في مختلف أنحاء العالم، وربما يكون منها ما بيع في معرض دمشق سابقا وحاليا.. لكن هذا أمر ﻻيجب خلطه بتقديمه كمحب لدمشق وعاشق لتاريخها وعاشق ومبهور بقدمها، فيما هو من أشد كارهيها والحاقدين عليها وعلى أهلها، حقدا ﻻ تكاد تجده في أكثر كتب الغلاة.
أما اﻷمر اﻵخر، فقد سلطنا الضوء على الفصل الرابع واﻷربعين من كتاب “توين” المعنون “اﻷبرياء في الخارج”، بوصفه الفصل الذي اقتبست منه عبارة التمجيد بحق دمشق، التي تم إبرازها في جناح “اﻷمانة العامة للشؤون السياسية”، وهو نفس الفصل الذي طفح بعنصرية “توين” وتعصبه ضد دمشق والدمشقيين، وعليه كانت اﻹشارة واجبة، فليس أضر من الجهل سوى معرفة منقوصة أو مبتورة.