سوريا 360 ـ فريق البحث والتقصي
جدد ذوو ضحايا الاغتيالات في محافظة درعا مطالبهم للجهات الرسمية بفتح تحقيقات جدّية وشفافة في سلسلة جرائم قتل طالت مشايخ وشخصيات ثورية بارزة في حوران خلال الأعوام الماضية، مؤكدين أن “العدالة ليست خيارا سياسيا، بل حق وواجب لا يسقط بالتقادم”.
وتأتي هذه المطالبات بالتزامن مع فتح منصة “سوريا 360“، ملفا أمنيا شائكا، بعد أشهر من المتابعة والتحقق، والاطلاع على عشرات الأدلة والشهادات التي تتعلق بنشاط مجموعة اغتيالات نشطت خلال فترة سيطرة النظام المخلوع، مستندة إلى نفوذ أمني وعلاقات واسعة وأموال طائلة مكّنتها من تنفيذ مخططاتها دون مساءلة.
اغتيالات في وضح النهار
ومن أبرز الجرائم قضية اغتيال الشيخ “نديم عبد الكريم القويدر “المقداد” (أبو صلاح)، إمام وخطيب مسجد بلدة “معربة” ومدرّس القرآن الكريم، والقاضي السابق في محكمة “دار العدل“، الذي اغتيل علنًا بتاريخ 13 آب/أغسطس 2020 على الطريق الواصل بين بلدتي “معربة” و”غصم“، ووكذلك اغتيال الشيخ “يوسف تركي الدواس” (أبو رامي)، المدرّس والمحامي والقاضي السابق في محكمة “دار العدل”، الذي قُتل داخل سيارته في بلدة المسيفرة بتاريخ 19 شباط/فبراير 2020.
وبحسب معلومات من ذوي الضحايا وتحقيقات اطّلعت عليها “سوريا 360″، فقد جرى استدراج الشيخين من قبل مجموعة يتزعمها “أحمد غنيم“، في سياق سلسلة عمليات اغتيال استهدفت رموزا دينية وثورية عُرفت بمواقفها المناهضة لنظام المخلوع.
اعترافات موثقة
أكد ذوو الضحايا أن الشيخين “المقداد” و”الدواس” كانا من أوائل المشاركين في الحراك الثوري في حوران، وأسهما في تأسيس تنسيقيات ثورية، وعملا في المجالس والمحاكم الثورية حتى العام 2018، قبل أن يتلقيا تهديدات متكررة من جهات مرتبطة بفرعي المخابرات الجوية والأمن العسكري يقودها “أحمد غنيم” المكنى “أبو أسد“.
وأشار أهالي الضحايا إلى تلقيهم اتصالات وتهديدات مباشرة بعد تنفيذ جرائم الاغتيال، شملت تهديدا بالقتل في حال عدم سحب الشكاوى، وهو ما حصل بالفعل تحت الضغط. كما أفادوا بأن بعض الاتصالات التي أجراها “غنيم” وإخوته جاءت من خارج البلاد، وتحديدا من قطر والإمارات، وتضمنت عبارات تشفٍ واستفزاز لذوي الضحايا.
ووجّه الأهالي اتهامات مباشرة لـ”غنيم” بقيادة مجموعة مسلحة متورطة في تنفيذ الاغتيالات، مؤكدين وجود اعترافات ومراسلات وتسجيلات مصوّرة يظهر فيها متفاخرا بقتل ثوار من بلدات “معربة” و”خربة غزالة“، إلى جانب تورط ضباط وعناصر أمنيين من أجهزة المخلوع في تسهيل هذه الجرائم.
![]()
تسليم لـ”صيدنايا”
وثّقت منصة “سوريا 360” شهادات حول ممارسات خطف وتعذيب نفذتها مجموعة “غنيم” بحق عائلات كاملة، من بينها عائلة “الحاج علي“. حيث روى “عبد الرحمن الحاج علي” تفاصيل اختطاف شقيقه “عطية محمد الحاج علي” بتاريخ 8 أيلول/سبتمبر 2018، وتسليمه مباشرة إلى “أحمد غنيم” عبر أحد المتعاونين، ولا يزال مصيره مجهولًا حتى اليوم.
كما جرى اعتقال “عمر محمد الحاج علي” في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، وتحويله إلى سجن “صيدنايا“، في رسالة تهديد واضحة لعائلته. إلى جانب تعرّض أفراد آخرين من العائلة للمداهمة والاعتقال، حيث انتهى بهم المطاف في سجن صيدنايا ليلقوا حتفهم هناك، بحسب شهادات ذويهم.
فقد وصلت رسالة من “احمد غنيم” إلى “عبد الرحمن حاج علي” بأن أخوته قد ماتوا تحت التعذيب في سجن “صيدنايا” وان عليه استلام جثثهم.
![]()
العدالة ليست منة
وفي شهادة أخرى، التقت “سوريا 360” بالقيادي السابق في الجيش الحر “مدين محمود سرور” من بلدة “معربة” شرقي درعا، الذي كشف تفاصيل صادمة عن اختطافه وتعذيبه على يد مجموعة “أحمد غنيم” بعد عام 2018، رغم ابتعاده عن العمل العسكري.
وأوضح “سرور” أنه اختطف أثناء توجهه إلى عمله عام 2018، وتعرّض لتعذيب وحشي شمل الضرب بالكابلات وإطفاء السجائر في جسده، في محاولة لانتزاع اعترافات قسرية، مؤكدا أن آثار التعذيب تركت أضرارا نفسية وجسدية عميقة، ومن قام بتعذيبه والتحقيق معه هو “أحمد غنيم” شخصيا ومجموعته.
ووجّه “سرور” في ختام شهادته نداء إلى السلطات لمحاسبة المتورطين، محذرا من التغطية على من وصفهم بـ”فلول النظام”، ومؤكدا أن المطالبة بالعدالة “ليست شفاعة ولا منّة، بل حق وحرمة دم”.
![]()
قائمة موثقة
وحصلت “سوريا 360” على قائمة بأسماء أشخاص متورطين في هذه الجرائم، جرى توثيقهم من قبل ذوي الضحايا على مدى سنوات، ويشملون أفرادا من مجموعة “أحمد غنيم”، إلى جانب ضباط وعناصر من الأجهزة الأمنية في عهد النظام المخلوع.
ويؤكد الأهالي امتلاكهم وثائق وأدلة إضافية، مع تحفّظهم عن نشر بعض الأسماء لتجنّب نزاعات اجتماعية داخل البلدات المعنية.
سبق الـ”أحمد غنيم” أن ظهر في أحد الأعراس متفاخرا بقتل الثوار قائلا: “مسيلين الدم من معربة لخربة غزالة لاسطنبول”، كما كانت مجموعته تقيم الاحتفالات بعد كل عملية اغتيال وتصفية لأحد الثوار أو أحد أقاربه، ووصلت بهم الاستهزاء بذوي الضحايا الذين قتلوا في سجن “صيدنايا العسكري”.
جذور القصة
في تموز/ يوليو عام 2018، خلال حملة النظام المخلوع وروسيا على محافظة درعا والتي أفضت إلى سيطرتهم عليها، كان الثوار يخوضون معارك عنيفة لصد تقدم القوات العسكرية نحو بلدة “بصر الحرير“.
في تلك الأثناء، حاولت مجموعات مُرتبطة بالأجهزة الأمنية في جنوب سوريا تسهيل دخول قوات “النمر” إلى المنطقة، وكان من بين هذه المجموعات مجموعة “أحمد غنيم” ووالده، “أبو مطيع غنيم”، وفق ما أكد أحد الأفراد السابقين في محكمة “دار العدل بحوران” لمنصة “سوريا 360”.
حينها، أصدرت محكمة “دار العدل”، برئاسة “عصمت العبسي“، قرارا، اطلعت عليه “سوريا 360” باعتقال هذه المجموعة. وعندما توجهت قوة تابعة للمحكمة لتنفيذ الأمر، كان والد “أحمد غنيم” عائدا من لقاء مع العميد “وفيق ناصر“، رئيس فرع الأمن العسكري في نظام المخلوع، وأطلق النار على أفراد القوة، ما أسفر عن مقتل أحد عناصر المحكمة (وهو غسان سرور، 19 عاما والذي لم يكن قد مضى على زواجه شهر واحد). إثرها اندلع اشتباك بين مجموعة “غنيم” وقوة محكمة “دار العدل”، أسفر عن مقتل والد “أحمد غنيم” واثنين من مجموعته.
منذ تلك الحادثة، بدأ “أحمد غنيم” باستخدام نفوذه وعلاقاته، مستفيدا من الأموال التي يمتلكها، ودعم المخابرات الجوية والأجهزة الأمنية، لتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال ضد قضاة في المحكمة وعناصر في الجيش الحر.
لن نطويه
إن ملف الدماء لا يغلقه سوى القصاص العادل.. هذا ما اتفق عليه من تحدثوا لمنصتنا، موجهين نداء مباشرا إلى وزارة الداخلية والقيادات الأمنية، مطالبين بعدم طيّ هذه الملفات تحت ذريعة “السلم الأهلي”، معتبرين أن تجاهلها يشكّل خيانة لدماء الشهداء.
وأكدوا أن حوران، التي قدّمت آلاف الضحايا منذ انطلاق الثورة، لن تقبل بطي ملفات الاغتيال دون محاسبة عادلة، مشددين على أن “العدالة قد تتأخر، لكنها لن تموت”.
ودعا ناشطون من بلدتي “معربة و”خربة غزالة” للتظاهر يوم الجمعة القادم، لمطالبة الحكومة بتطبيق العدالة، ومحاسبة قتلة المشايخ والثوار الذين يصولون ويجولون في طول وعرض المحافظة دون مساءلة، حتى أنهم باتوا يتقدمون بدعاوى قضائية ضد الثوار متوعدين بالثأر تحت غطاء عشائري.