سوريا 360 – محمد الحمادي
في مثل هذا اليوم من شهر شباط/فبراير 1982، قرر “حافظ الأسد” وشقيقه “رفعت” سَوقَ مدينة حماة إلى موت جماعي. وخلال أيام قليلة فقط حولا مدينة عامرة بأهلها وأسواقها ومدارسها إلى مساحة رعب غارقة بدماء أبنائها.. مدينة مقتولة بلا رحمة، بلا صوت، وبلا شهود.
حاصر “حافظ الأسد” وشقيقه حماة، من كل الجهات لمنع هروب أي شخص، ليبدأ القصف العشوائي الذي لا يفرق بين طفل وشيخ.
كانت القذائف تسقط على الأحياء السكنية، وتنهار الجدران فوق ساكنيها، فيما بقيت العائلات محاصرة داخل منازلها، تنتظر مصيرا لا تعرف متى يأتي.
المصير الذي بان لحظة دخول القوات العسكرية والأمنية الأحياء، حيث أُخرج الرجال من بيوتهم، ليقتلوا في الشوارع وبقرت بطون النساء الحوامل، فيما امتلأت الشوارع بالجثث، حتى صارت الجرافات تجمعها كما تجمع الأنقاض، وتلقى في مقابر بلا أسماء وبلا شواهد.
أحياء كاملة مثل “الحاضر والكيلانية والبارودية“، سويت بالأرض.. وانتهكت بقية أحياء المدينة بقطعان سرايا الدفاع، والقوات الخاصة المتوحشة، التي لم توفر الأطفال في الملاجئ ولا كبار السن، جاءت فقط لتقتل، وتشير شهادات ناجين إلى تنفيذ إعدامات ميدانية واسعة بحق شبان ورجال، بعضهم أعدم أمام عائلته، وآخرون جمعوا في الساحات أو داخل المنازل وأطلق عليهم الرصاص. فيما لا يزال مصير عدد كبير منهم مجهولا حتى اليوم، في واحدة من أقدم وأكبر قضايا الاختفاء القسري في العصر الحديث.
شهادات
تحكي أمهات عن لحظات اضطررن فيها للاختيار بين أبنائهن تحت تهديد السلاح، وعن ليال طويلة اختبأ فيها الأطفال تحت الأنقاض، يسمعون صرخات الجيران دون أن يستطيعوا فعل شيء.. شهادات كثيرة كُتمت لعقود خوفا من الملاحقة أو تكرار مشهد الجريمة، لكنها بدأت اليوم تخرج إلى العلن، كجزء من معركة الذاكرة ضد النسيان بعد هروب وريث عائلة القتل إلى موسكو.
اقرأ أيضا: الحمويون يكبرون ﻷول مرة في ذكرى حماة 82
الضحايا والأرقام
تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان تشير إلى أن عدد القتلى بلغ بين 30 و40 ألف شخص، و17 ألف شخص ما زالوا مجهولي المصير بعد أن تم اعتقالهم من قبل القوات، ويعتقد أنهم أعدموا أو نقلوا إلى سجون سرية وقتلوا هناك تحت فنون التعذيب المختلفة.
مصادر محلية أكدت أن الأعداد أكثر من 60 ألف قتيل وما يزيد عن 100 ألف مفقود. هذه الأرقام، على فداحتها، لا تعبّر فقط عن عدد القتلى، بل عن حجم العائلات التي أُبيدت، والبيوت التي فُرغت من سكانها، والأطفال الذين كبروا وهم يحملون ذاكرة الخوف والفقد.
التقارير الحقوقية أكدت أن مجزرة حماة تعتبر جريمة ضد الإنسانية، لما انطوت عليه من قتل جماعي، اعتقال تعسفي، اختفاء قسري، وتدمير ممنهج للبنية المدنية.
ورغم ذلك، لم يُفتح أي تحقيق دولي جاد، ولم يحاسب أي من المسؤولين عنها، ما جعل المجزرة مثالا صارخا على الإفلات من العقاب.
يرى حقوقيون أن تجاهل محاسبة مرتكبي مجزرة حماة شكل سابقة خطيرة، وأسهم في ترسيخ ثقافة العنف السياسي في سوريا، ومهد لانتهاكات واسعة لاحقة شهدها السوريون في العقود التالية.
ذاكرة ثقيلة
يرى معظم المؤرخين أن مجزرة حماة عام 1982 شكلت لحظة فاصلة في تاريخ سوريا الحديث، ليس فقط من حيث حجم العنف، بل من حيث الدلالة السياسية والأخلاقية، إذ يصف الصحفي والمؤرخ البريطاني “روبرت فيسك” ما جرى بأنه تدمير متعمد لمدينة بأكملها لإيصال رسالة رعب، معتبرا أن القتل الجماعي للمدنيين لم يكن نتيجة جانبية، بل أداة مقصودة لإخضاع المجتمع.
أما المؤرخ “باتريك سيل” المقرب من “حافظ الأسد” وكاتب سيرته، أشار إلى أن حماة كانت المثال الأوضح على استعداد النظام لاستخدام القوة القصوى دون قيود للحفاظ على السلطة، ويرى أن المجزرة أنهت أي وهم بإمكانية الإصلاح السياسي في تلك المرحلة.
الباحثة “دارا كونديت” اعتبرت أن حماة لم تكن مجرد مواجهة مع الإخوان المسلمين، بل عملية قمع شاملة طالت السكان المدنيين، وأسست لنمط “الحكم عبر الخوف” الذي استمر لعقود. بينما يركز مؤرخون آخرون على أن التعتيم الطويل على المجزرة جعلها جرحا مكتوما في الذاكرة السورية، حيث منع الضحايا من الحداد، وحرمت البلاد من مواجهة ماضيها.
ويجمع المؤرخون على أن الإفلات من العقاب بعد مجزرة حماة شكل سابقة خطيرة، وأسهم في إعادة إنتاج العنف السياسي في سوريا لاحقا، ما يجعلها جريمة تاريخية لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
لم تكن مجزرة حماة مجرد فصل دموي في التاريخ، بل لحظة تأسيسية للصمت المفروض بالقوة لسنوات طويلة، كان مجرد ذكر اسم المجزرة جريمة، وكان الناجون يحملون ذاكرتهم كسرّ ثقيل.
اليوم، ومع كسر هذا الصمت، تتحول الذكرى إلى فعل مقاومة أخلاقية، وإلى مطالبة علنية بالحقيقة والعدالة.
بعد أكثر من 40 عاما، تبقى مجزرة حماة جريمة مفتوحة، لا تغلقها السنوات ولا يسقطها التقادم. إن إحياء ذكراها ليس استدعاء للألم فحسب، بل تأكيد على حق الضحايا في الاعتراف، وحق عائلاتهم في معرفة الحقيقة، وحق السوريين جميعا في عدالة غابت طويلا.