سوريا 360- حماة
صدحت أصوات التكبير من مساجد حماة ليل الاثنين، إحياء للذكرى 44 للمجزرة المروعة التي ارتكبها نظام “الأسد” المخلوع في المدينة، وراح ضحيتها أكثر من 40 ألف شهيد، وقد جاءت هذه الخطوة الرمزية لتؤكد تمسك الأهالي بذاكرة الضحايا وحقهم في الحقيقة والعدالة.
وشهدت المدينة سلسلة فعاليات تذكارية، شملت قراءة الفاتحة على أرواح الشهداء، وتنظيم تجمعات أمام بعض المواقع التاريخية التي طالها الدمار خلال الحدث الأليم، حيث رفع المشاركون صور المختفين قسرا ولافتات تطالب بكشف مصيرهم وإنصاف الضحايا.
وجاء إحياء الذكرى للمرة الثانية بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وهو منعطف تاريخي أتاح لأهالي حماة إحياء الذكرى علنا بعد عقود من الحظر والتكميم، في إطار مساع وطنية لمواجهة إرث انتهاكات المخلوع وبناء مسار للعدالة الانتقالية.
وأكد المشاركون أن هذه الفعاليات تهدف إلى تكريم ذكرى آلاف الضحايا الذين سقطوا خلال الحملة العسكرية الوحشية التي استمرت 27 يوما، وإلى تكريس حق المجتمع السوري في معرفة الحقيقة وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي في المستقبل.
تفاصيل الهجوم على المدينة
بالعودة إلى تفاصيل المجزرة، فقد شنت قوات نظام “حافظ الأسد” و”سرايا الدفاع” بقيادة شقيقه “رفعت” في الثاني من شباط/فبراير حملة عسكرية واسعة فرضت خلالها حصارا شاملا على المدينة، وقطعت الخدمات الأساسية، ونفذت قصفا عشوائيا وإعدامات ميدانية واعتقالات واسعة رافقها تعذيب ممنهج، فضلا عن تدمير أحياء كاملة، ومصادرة ممتلكات يرجح أن بعضها يخفي مقابر جماعية، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 40 ألف شخص، فيما اختفى نحو 17 ألفا في جرائم ترقى إلى مستوى “الجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم”.
وعمد المخلوع لاحقا إلى إنكار المجزرة ووصمها بأنها “أحداث ضد إرهابيين”، ما أسهم في طمس هوية الضحايا ونزع إنسانيتهم، في ظل غياب الاستجابة الدولية الفاعلة وقرارات حاسمة من مجلس الأمن، الأمر الذي عزز قناعة النظام بالإفلات من العقاب ومهد لانتهاكات لاحقة.
عقود من الغموض وذاكرة حية
المجزرة خلفت دمارا واسعا في النسيج العمراني للمدينة، وأثرا إنسانيا بالغا طال معظم العائلات عبر القتل والإخفاء القسري، مخلفة عقودا من الغموض والصدمة العابرة للأجيال، لكن رغم الحظر الرسمي، ظلت الذاكرة حية عبر الروايات الشفهية والأدب والفنون، لتشكل أساسا للتشبث بالحقيقة والسعي إلى المصالحة على قاعدة الاعتراف والإنصاف.

اقرأ أيضا: “السباعي”.. طبيب قضى في مجزرة تدمر ولم يتسلم ذووه جثمانه
ومع سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأت مرحلة جديدة تقتضي مواجهة إرث الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها، إذ شكل إحياء الذكرى رسميا عام 2025 منعطفا تاريخيا، وقد بدأت العائلات بالبحث عن مصير أبنائها المختفين عبر قنوات رسمية، في خطوة نحو كسر الصمت واستعادة الكرامة والحق في الحقيقة والعدالة.
في الذكرى الـ44 للمجزرة، دعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الحكومة إلى اعتبار المجزرة جريمة ضد الإنسانية، وإلى الالتزام بالمساءلة وجبر الضرر، عبر إعلان الثاني من شباط يوما وطنيا لإحياء الذكرى، وتشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة تضم قضاة وخبراء قانونيين وممثلين عن حقوق الإنسان وأسر الضحايا، مع صلاحيات واسعة لتوثيق الجرائم وتحديد المسؤولين وتقديم توصيات بشأن الملاحقة القضائية والتعويض.
البحث عن المختفين
كما طالبت بإنشاء وكالة محلية للبحث عن نحو 17 ألف مختف قسريا، ومنحها صلاحيات الوصول إلى الأرشيفات الأمنية وتحديد مواقع المقابر الجماعية وإجراء التحقيقات الجنائية والتعرف على الرفات وإعادتها إلى عائلاتها، مشددة على ضرورة ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، وإلغاء الحصانة التي منحها النظام المخلوع لضباطه وعناصره، وتنفيذ برنامج تعويضات شامل يشمل استعادة الممتلكات أو التعويض عنها، إضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي وإدراج المجزرة في المناهج التعليمية.
ودعت الشبكة الأمم المتحدة إلى الاعتراف رسميا بالتقصير في توثيق المجزرة أو الاستجابة لها، وإصدار وثائق تدين الجرائم وتعترف بمعاناة الضحايا، ودعم جهود المساءلة الوطنية السورية عبر المساعدة التقنية وبناء القدرات، إضافة إلى تسهيل استرداد الأصول المجمدة لمسؤولي النظام المخلوع وتخصيصها لتعويض الضحايا، مؤكدة أهمية مواصلة السوريين والمجتمع الدولي جهود التوثيق وجمع الشهادات وحفظ الذاكرة لضمان عدم تكرار المأساة.