سوريا 360- الحسكة- محمد الحسون
تعيش مدينة الحسكة حالة من التوتر الأمني المتصاعد، في ظل انتشار واسع لتشكيلات مسلحة مرتبطة بـ”حزب الاتحاد الديمقراطي” وأذرعه العسكرية، في مقدمتها “وحدات حماية الشعب” (YPG)، و”الشبيبة الثورية” إضافة إلى مجموعات مدنية كردية جرى تسليحها عبر مسؤولي الكومينات في عدد من القرى والأحياء ذات الغالبية الكردية في منطقتي “المالكية والقامشلي“، بعد انهيار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالرقة ودير الزور.
وقالت مصادر محلية لمنصة “سوريا ٣٦٠” ، استقبلت المدينة خلال اليومين الماضيين مسلحين أكراداً قدموا من تركيا وشمال العراق للمشاركة في المواجهات الجارية بمحيط الحسكة ضد الجيش العربي السوري، في حين نشرت وسائل إعلام ناطقة باسم الحزب مقاطع مصورة لوصول الدفعة السادسة من المقاتلين القادمين من كردستان العراق وتركيا بهدف ما أسموه “الدفاع عن روج آفا” (غرب كردستان)، استجابةً لدعوة النفير العام التي أطلقتها الإدارة الذاتية الكردية لطلب المساعدة من أكراد العالم، حيث دخلت المجموعة عبر معبر “فيشخابور” باتجاه مدينة “المالكية”، و”القامشلي” ثم الحسكة، حيث نظم استقبال شعبي واسع في دوار “السينالكو” بحي “تل حج.
في الأثناء، يوسع الجيش السوري مناطق سيطرته شرق المحافظة، بعد السيطرة على بلدات “الهول وتل حميس وتل براك، واليعربية“، لتقترب من الأرياف الجنوبية لمدينة “القامشلي” وأطراف “القحطانية“، ما دفع “قسد” إلى ترك السجون والمخيمات والانسحاب باتجاه الشمال، لأنهم يعتبرون أن انتشار الجيش السوري يقضي على جمهورية “روجافا” أي الجزء الغربي من كردستان.
وفي الريف الغربي، اشتبك الجيش السوري مع عناصر “قسد” قرب قرية “تل بارود” وطريق أبيض عند السفح الجنوبي لجبل عبد العزيز، كما رد الجيش السوري على قصف صاروخي على قريتي “العامرية وأم عشبة” بريف “رأس العين“، ما أدى لتدمير بعض المساكن وانتشار الذخائر غير المنفجرة.
ليال مرعبة
داخل مدينة الحسكة، تقول (قسد) إنها اشتبكت مع مجموعات مسلحة في حي “غويران“، بينما يتركز الانتشار العسكري والتشديد الأمني لها وانتشار القناصين في أحياء ذات غالبية عربية تضم أحياء “الزهور، والنشوة والليلية”، جميعها على الضفة اليمنى لنهر الخابور، حيث تتجول مجموعات من مسلحي “الشبيبة الثورية” وتتحدى السكان العرب بالشعارات العنصرية والشتائم البذيئة وتشغيل الأغاني الكردية وإشعال الإطارات المطاطية في الشوارع، بحسب مصادر محلية.
كما جرى تفخيخ الجسور من هذه الأحياء إلى أحياء مركز المدينة، حيث نفذت مداهمة بالحارة العسكرية، فيما أوقع رصاص القناصات قتلى وجرحى بينهم شاب وطفلة، وهو تطبيق عملي لحظر التجوال الذي يفرض طوال الليل.
نازحو “رأس العين”
تشير شهادات من النازحين أن المخيم يخضع منذ أيام لطوق أمني مشدد من القوات الكردية (YPG + الآساييش)، ولم يُسمح إلا لعدد محدود (50) من العائلات الكردية بمغادرته باتجاه عامودا والدرباسية والقامشلي قبل يومين، فيما جرى إبلاغ نحو أربعة آلاف كردي بالاستعداد لمغادرة المخيم الذي يضم نحو 12 ألف شخص، معظمهم من العائلات العربية النازحة من “رأس العين”، ما يشير إلى احتمالية تسليم المدينة أو تحسبا لاندلاع المعركة.
ويخشى السكان من استمرار محاصرتهم في بيوتهم عبر حظر التجوال مع تضييق الجيش الخناق على المدينة من جميع الجهات، لذا يطالبون بممرات آمنة أو التزام حكومي بحمايتهم كما التزمت بالهدنة التي باتت فرصة لمسلحي قسد وأنصارها لاستفزازهم القول: “الحسكة كردية” مطالبين سكان غويران والنشوة بالرحيل، ربما لأنهما المداخل المتوقعة للجيش المنتشر جنوب المدينة أو لأنهما الأقرب لسجن “الصناعة”.

اقرأ أيضا: ضحية جديدة في أنفاق قسد
الخدمات والوضع الإنساني
على الصعيد الخدمي، أفادت “نورة العلي” (اسم مستعار) لموقع “سوريا ٣٦٠” من داخل المدينة بإغلاق مشفى الحسكة الوطني في حي “العزيزية” أمام مرضى غسيل الكلى، وتخصيصه لاستقبال جرحى من عناصر القوات الكردية، ما أدى إلى تفاقم أوضاع مرضى الحالات المزمنة، ودفع بعضهم إلى اللجوء إلى مشافٍ خاصة بتكاليف مرتفعة، وحتى مشفى “الرجاء” الخاص لم يعد يستقبل المرضى المدنيين.
وتتحدث “العلي” عن اضطراب كبير في توزيع الخبز، حيث بات يصل بشكل متقطع بعد أن كان يُوزع يومياً عبر الكومينات (مجالس الأحياء)، بينما وزع فرن الأغوات بحي “غويران” الخبز مجاناً لأهالي نهار أمس، لكن انقطاع المياه النظامية المزمن والاعتماد على الصهاريج بأسعار (30 ألف ليرة /5 براميل) قبل حظر التجوال يضغط على السكان، هذا عدا احتمال ارتفاع السعر.
أمنياً، أكدت “نورة” أن الحركة ليلاً باتت شبه معدومة في عدد من الأحياء بسبب مخاوف من القنص وإطلاق النار خاصة بالأحياء الجنوبية، بعد العثور على جثتين لشابين مكبّلي الأيدي في منطقة مشيرفة – وادي الري القديم، يُعتقد أنهما كانا موقوفين سابقاً، في حادثة أثارت حالة من القلق والهلع بين السكان رغم أن حي مشيرفة هو آخر أحياء الحسكة من الجهة الشمالية أي يبعد بضعة كيلومترات عن “غويران والنشوة”، حيث تتركز عمليات الدهم والقنص وحتى الإشتباكات، التي يعتقد أنها مع منشقين عن صفوف (قسد).
في هذا السياق، تحدثت الناشط “ملاذ اليوسف” لمنصتنا أن الناس يخشون من عمليات تفجير انتقامية تستهدف سكان المناطق التي خرجت عن سيطرة القوات الكردية في حال تصاعد التوتر، مشيرا إلى أن رتل “قسد” المنسحب من “الهول” قبل يومين اشتبك مع أهالي بلدة “تل حميس والحنوة” خلال توجهه نحو “القامشلي”.
ولفت “اليوسف” إلى وجود قلق كبير عند أهالي العناصر العرب ضمن صفوف “قسد” لأن أبناءهم علقوا داخل أحياء مدينة الحسكة بعد إلقاء السلاح إثر حديث “مظلوم عبدي” عن إعادة تموضع قواته في المدن الشمالية للدفاع عن البلدات والقرى الكردية، حيث جرت عمليات منظمة لتوزيع السلاح عبر كومينات القرى والأحياء الكردية.
ونوه إلى أنه زار عشرات العائدين إلى أرياف المحافظة الشرقية ممن هجروا قسرا على يد “قسد” خلال السنوات الماضية.

اقرأ أيضا: قسد تعلن التزامها بوقف إطلاق النار
استعدادا للحرب
يقول أحد سكان الحسكة لـ”سوريا ٣٦٠” ، مفضلاً عدم ذكر اسمه: “الوضع سيئ جداً، الناس خائفة، والخدمات تتراجع، ولا أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور، مشيرا إلى أنه كان شاهدا على حادثة قتل عنصر عربي من “قسد” أراد الانشقاق احتجاجا على مقتل 4 أطفال من أقربائه برصاص مسلحين أكراد أمام مدرسة “تل مجدل” أثناء احتفال بإعلان الرئيس الشرع اتفاقا يخص دمج “قسد”.
وأضاف أن العشائر العربية بالحسكة مجردة من السلاح بسبب الحملات الأمنية المتكررة، مبينا أن جمعا غفيرا من سكان جبل “عبد العزيز” تجمهر عقب حادثة قتل الأطفال لكنهم لا يملكون سوى العصي والحجارة.
وأشار إلى أنه يمسح المحادثات التي يجريها عبر “الفيسبوك والواتساب”، لأن عمليات المداهمة تستهدف البحث عن سلاح ومنشقين أو عن أدلة في الهواتف تثبت تأييد الحكومة السورية، فالحديث “عبر الهاتف بات محفوفاً بالمخاطر”، خاصة عبر شبكة آر-سيل (روج آفا).
مع استمرار التقدم العسكري للجيش نحو الحسكة، تبقى احتمالات التصعيد، في وقت يدفع المدنيون الثمن الأكبر من أمنهم اليومي ومعيشتهم وخدماتهم الأساسية، وسط دعوات محلية لتجنيب المدينة مزيداً من العنف والانزلاق نحو مواجهة واسعة ما يشكل خطرا على حياة المدنيين العزل.
ويأمل السكان الخائفون أن تتحقق الأنباء عن ترتيبات لانسحاب قوات تابعة لحزب العمال الكردستاني وقوى “الآساييش” الكردية من داخل مدينة الحسكة باتجاه الطريق الدولي، وصولاً إلى مدينة “القامشلي”، تمهيدا لدخول قوات الأمن العام، لكن الترهيب الذي يعيشونه يدفعهم لرفع المطالبة بفتح ممر آمن للنزوح.
يأتي هذا التصعيد رغم د دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بين الجيش السوري و “قسد”، وسط مساعٍ من القوات الحكومية لضبط الحدود وتأمين مراكز احتجاز عناصر “تنظيم الدولة” وعائلاتهم، التي تحاول القوات الأمريكية إفراغها ونقل السجناء إلى سجون في العراق قبل انتهاء المهلة المحدد، خاصة أن استعدادات الحرب توحي بأن القادة الأكراد سيخوضون مواجهة ولن يوافقوا على عرض دمشق.
وكانت وزارة الدفاع أعلنت مقتل 7 جنود وإصابة 20 آخرين في انفجار مستودع سلاح ومتفجرات عثروا عليه بعد طرد “قسد” من معبر “اليعربية” الحدودي مع العراق.