سوريا 360 – محمد الحمادي
في بلد كسوريا امتلأت ذاكرته الجماعية بالقتل والاعتقال والتهجير، لا يمكن أن يُبنى السلام المستدام فيه على نسيان قسري أو تسويات تتجاوز حقوق الضحايا. فمنذ هروب المخلوع قبل عام، يطالب ذوو الضحايا بتطبيق العدالة الانتقالية، منتقدين مقولة المحررين لقوات المخلوع على أبواب دمشق “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، مؤكدين أن هذه المقولة لا تصلح -على الأقل- مع دعاة “الأسد أو نحرق البلد”، لأنهم وحوش بشرية عاشت على شرب الدماء البشرية وأنغام البراميل المتفجرة.
لن يتغير كثير منهم بين يوم وليلة، فالعفو الذي نالوه لا يعني بالضرورة أنهم عادوا إلى حياة طبيعة بعيدا عن العنف والدماء ككل البشر، إنما قد يكون دافعا جديدا لإحياء إرثهم الحقيقي في نشر الموت والخراب في سبيل إعادة مجدهم المتمثل في “سوريا الأسد“؛ الدولة التي منحتهم سلطة غير محدودة في القتل وممارسة الأفعال التي تحرمها الدول السليمة والقوانين والشرائع الدولية.
عندما قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لأهل مكة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، كان بينهم “سهيل بن عمر” الذي أوقف ردة مكة بعد وفاة الرسول، و”عكرمة بن عمرو بن هشام” أو “ابن أبي جهل” قائد كتيبة الموت في معركة اليرموك، ومنهم الآلاف ممن حضر جميع حروب الفتح لبلاد الشام والعراق، وسابقوا الزمن لتعويض ما فاتهم إبان انتشار الدعوة.
العدالة الانتقالية من أهم الآليات التي تلجأ إليها الدول الخارجة من الحروب أو النزاعات الداخلية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وبناء السلام المستدام. وتشمل هذه العدالة مجموعة من الإجراءات مثل المحاسبة، كشف الحقيقة، جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي. غير أن تجاهل تطبيق العدالة الانتقالية أو تطبيقها بشكل شكلي يخلّف آثارًا خطيرة على المجتمعات والدول.
أول هذه آثار عدم تطبيق العدالة هو استمرار الإفلات من العقاب، حيث يؤدي عدم محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات إلى تشجيع تكرارها، ويقوض مبدأ سيادة القانون. كما يشعر الضحايا بأن معاناتهم أُهملت، ما يضعف ثقتهم في الدولة ومؤسساتها. ويسهم غياب العدالة الانتقالية في تجدد النزاعات والعنف، إذ تبقى المظالم دون معالجة، فتتحول إلى دوافع للانتقام أو لإعادة إشعال الصراع. فالسلام الذي يُبنى على النسيان القسري أو العفو الشامل دون مساءلة غالبًا ما يكون سلامًا هشًا ومؤقتًا.
اقرأ أيضا: حين يخرق المركب.. ننجو أو نغرق معا
ومن الآثار البارزة إعاقة المصالحة الوطنية، حيث لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية دون الاعتراف بالضحايا وكشف الحقيقة حول ما جرى. وغياب هذه الخطوات يعمّق الانقسامات الاجتماعية، سواء كانت طائفية أو عرقية أو سياسية، ويمنع بناء ذاكرة جماعية مشتركة.
عدم تطبيق العدالة الانتقالية يؤدي إلى ضعف الثقة في مؤسسات الدولة، خاصة الأجهزة القضائية والأمنية، ما يعرقل عملية بناء دولة القانون.
آثار عدم تطبيق العدالة ظهرت بنتائج كارثية في العديد من التجارب الدولية. ففي لبنان بعد الحرب الأهلية، أُقرّ عفو عام دون محاسبة أو كشف للحقيقة، مما أدى إلى بقاء أمراء الحرب في السلطة واستمرار الانقسام الطائفي. في المقابل، تُظهر تجارب أخرى أهمية تطبيق العدالة الانتقالية ولو بآليات مختلفة. ففي رواندا، ساهمت محاكم “الغاتشاتشا” المجتمعية في كشف الحقيقة وتقليل النزعات الانتقامية بعد الإبادة الجماعية. كما نجحت جنوب أفريقيا نسبيًا من خلال لجنة الحقيقة والمصالحة في الاعتراف بالضحايا وبناء مصالحة وطنية، رغم محدودية العقاب.
إن عدم تطبيق العدالة الانتقالية بعد الحروب والنزاعات لا يؤدي فقط إلى إهمال الماضي، بل يهدد الحاضر والمستقبل معًا. فالعدالة الانتقالية ليست إجراء انتقاميا، بل هي شرط أساسي لتحقيق السلم الأهلي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وبناء دولة عادلة تقوم على احترام الحقوق وسيادة القانون. السلم الأهلي الذي ينشده السوريون اليوم لا يتحقق إلا بالعدالة الانتقالية، لان خلاف ذلك يعني ضياع حقوق الضحايا وتمادي الجناة وعودتهم لارتكاب الجرائم، هذا ديدن القتلة عندما يأمنون العقاب، يضاعفون حجم الدموية والجريمة.