سوريا 360- دمشق
منذ استيلاء النظام المخلوع على السلطة في سوريا عام 1970، تفشت ظاهرة التزوير في مختلف جوانب الحياة، بدءا من رخص قيادة السيارات وصولا إلى الشهادات العلمية بمختلف درجاتها، لتتحول هذه الممارسات إلى نهج يرتبط بالنفوذ والسلطة، وجزءا من الفساد البنيوي الذي نخر مؤسسات الدولة، بما فيها القطاع الأكاديمي.
وقد حظي أبناء المسؤولين وكبار الضباط والمتنفذين بامتيازات تعليمية غير مستحقة، سواء عبر تسهيلات في القبول الجامعي أو عبر شهادات لا تستند إلى الكفاءة، كما نشأت شبكات منظمة لتزوير الشهادات مقابل مبالغ مالية ضخمة، لتصبح هذه الظاهرة من أخطر أشكال الفساد، وتكرس قناعة بأن النجاح لا يقوم على الجهد والمعرفة، بل على المحسوبية والسطوة.
امتيازات غير مستحقة
ومع تحول الجامعات إلى مرتع للشهادات المزورة التي لا تتطلب سوى طابعة وماسح ضوئي وبعض الحبر، بات الحاصلون على شهاداتها ممن يفتقرون أبسط مقومات الكفاءة، يتسلمون مناصب حكومية رفيعة، بل وزارية، أو يديرون مستشفيات ومؤسسات، ويمثلون البلاد في المحافل الدولية، وأضعف هذا الواقع الثقة بالمؤسسات التعليمية، وأدى إلى تراجع الاعتراف العالمي بالشهادات السورية، فضلا عن تشكيك سوق العمل الخارجي بمصداقية خريجيها.
اليوم، وضعت محكمة النقض حدا لهذه الفوضى، إذ لم يعد تزوير الشهادات يعامل كجنحة، بل كجناية تخضع للمادة 448 من “قانون العقوبات السوري”، لتصبح العقوبة المقررة هي الأشغال الشاقة المؤقتة، في خطوة تشريعية يفترض أن تشكل رادعا أقوى لكل من يسلك طريق التزوير للحصول على شهادة غير مستحقة.
اقرأ أيضا: شقيقة”نار النمر” تسعى لنيل الدكتوراه من جامعة دمشق
من الجنحة إلى الجناية
ففي 17 كانون الأول/ديسمبر الجاري، أقرت المحكمة اعتبار تزوير الشهادات والمصدقات العلمية التي يفترض وجود سجل رسمي لها تزويرا جنائيا، على أن يعمل بهذا القرار من تاريخ صدوره.
وأوضحت المحكمة أن الغرفة الجنحية الأولى لديها تقدمت بطلب العدول عن الاجتهادات السابقة التي كانت تعتبر تزوير الشهادات والوثائق العلمية جنحة وفق المادة 452 من “قانون العقوبات السوري”، مؤكدة أن خطورة هذا الفعل تستوجب إخضاعه لنص المادة 448 التي تعتبر الفعل جناية.
وشددت المحكمة على أن تزوير الشهادات العلمية ينتج طبقة من حملة مؤهلات وهمية، يتسللون إلى الوظائف الحكومية والخاصة، ويسلبون حقوق أصحاب الشهادات الحقيقية، ويشكلون بؤرا للفساد تضعف أجهزة الدولة وتهدد الثقة بمؤسساتها، ولا سيما تلك المعنية بمنح الشهادات.
إلغاء كل اجتهاد مخالف
وبناء على ذلك، قررت محكمة النقض بالإجماع قبول طلب العدول، وإقرار المبدأ القانوني الجديد: اعتبار تزوير الشهادات والمصدقات العلمية التي يفترض وجود سجل رسمي لها تزويرا جنائيا يخضع لنص المادة 448 من قانون العقوبات، والعدول عن كل اجتهاد سابق مخالف، على أن يعمل بهذا القرار ابتداء من 17 كانون الأول.
إعادة الاعتبار للشهادات
القرار الجديد يشكل منعطفا تشريعيا بارزا في مواجهة ظاهرة التزوير الأكاديمي، ويتوقع أن يسهم في ترسيخ منظومة رقابية أكثر صرامة داخل مؤسسات التعليم العالي، من خلال تعزيز إجراءات التدقيق في السجلات الجامعية والامتحانات، وإلغاء الشهادات غير الصحيحة، وملاحقة المتورطين قضائيا، مع اتخاذ تدابير مالية بحقهم كحجز الأموال والممتلكات.
ويأمل خريجو الجامعات السورية الذين نالوا شهاداتهم بجهد وكفاح، أن يسهم قرار محكمة النقض بإعادة الاعتبار للشهادات السورية في الخارج، وترسيخ الثقة مجددا بالمنظومة التعليمية، وضمان نزاهة العملية الأكاديمية بما يتوافق مع المعايير الدولية، ويعزز مكانة الجامعات السورية محليا وعالميا.