سوريا 360 – متابعات
أصدرت “الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان“، يوم الاثنين، تقريراً حقوقياً موسعاً بعنوان: “الفرع 300 في إدارة المخابرات العامة: أداة مركزية للقمع والمراقبة والملاحقة في منظومة بشار الأسد السابقة”، قدّمت فيه قراءة تحليلية معمّقة لأحد أكثر فروع الأجهزة الأمنية السورية غموضاً، مسلطةً الضوء على دوره المحوري في القمع الممنهج ضد المدنيين خلال سنوات الصراع.
ويعتمد التقرير على وثائق ومراسلات أمنية، إلى جانب شهادات ناجين وذوي ضحايا، جرى تحليلها وفق المعايير الدولية للتوثيق ومرجعيات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. ويأتي هذا العمل استكمالاً لسلسلة تقارير أعدّتها الشَّبكة عن فروع أمنية أخرى أقل تداولاً إعلامياً، في محاولة لكشف البنية العميقة للنظام الأمني السوري المخلوع وأنماط انتهاكاته الممنهجة.
أجهزة أمنية فوق الدولة
استعرض التقرير الخلفية العامة للأجهزة الأمنية في سوريا، المؤلفة من 4 أجهزة استخبارات رئيسة هي: المخابرات العامة، والمخابرات العسكرية، والمخابرات الجوية، والأمن السياسي، وتتفرع عنها عشرات الفروع المنتشرة في مختلف المحافظات. وتخضع هذه الأجهزة مباشرةً لمكتب الأمن الوطني في دمشق، الذي يرفع تقاريره إلى رئيس النظام المخلوع، ما منحها نفوذاً واسعاً تجاوز السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ورغم اختلاف مسمياتها واختصاصاتها الشكلية، تشترك هذه الأجهزة، وفق التقرير، في هدف مركزي يتمثل بحماية النظام المخلوع، ومراقبة المجتمع، والسيطرة على النشاط السياسي والإعلامي والاقتصادي.
انتهاكات ممنهجة منذ 2011
يوثّق التقرير سلسلة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية منذ العام 2011، وفي مقدمتها الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري. ووفقاً لبيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يزال ما لا يقل عن 160,123 شخصاً في عداد المختفين قسرياً منذ آذار/مارس 2011 وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2025، بينهم آلاف الأطفال والنساء.
كما وثّق التقرير ممارسة التعذيب الممنهج داخل مراكز الاحتجاز، بما في ذلك الصعق الكهربائي، والضرب، والتعليق المؤلم، والحرمان من الطعام والماء والنوم، إضافة إلى الاعتداءات الجنسية. وأفادت قاعدة بيانات الشَّبكة بمقتل ما لا يقل عن 45,032 شخصاً تحت التعذيب خلال الفترة ذاتها.
إلى جانب ذلك، استخدمت الأجهزة الأمنية القوة المفرطة والقتل خارج نطاق القانون ضد المتظاهرين السلميين، وفرضت سياسات ترهيب ورقابة واسعة عبر شبكات المخبرين والمداهمات الليلية، واستهدفت الكوادر الطبية والإعلامية.
اقرأ أيضا: العدل تحذر من استغلال وثائق المخابرات وتدعو لتسليمها
“الفرع 300”
يركز التقرير على فرع مكافحة التجسّس “الفرع 300″، التابع لإدارة المخابرات العامة، والذي أُنشئ على الأرجح في أواخر السبعينيات أو مطلع الثمانينيات. ورغم تصنيف الإدارة رسمياً كجهاز مدني، فإن قيادتها، بحسب التقرير، كانت بمعظمها من ضباط عسكريين.
ويقع المقر الرئيس للفرع في حي “كفرسوسة” الأمني بدمشق، ويضم في طوابقه السفلية زنازين فردية وجماعية وغرف تحقيق وتعذيب، بينما تحتوي الطوابق العلوية على مكاتب الضباط وأقسام الأرشفة والاتصالات. ويتسم الفرع بدرجة عالية من السرية والعزلة المؤسسية، ما جعل المعلومات عنه نادرة ومحدودة.
بحسب التقرير، لعب “الفرع 300” دوراً مركزياً في منظومة القمع، إذ تولى مراقبة الأجانب والمغتربين، ومتابعة الدبلوماسيين والعاملين في المنظمات الدولية، ورصد المؤسسات ذات الصلات الخارجية. كما لاحق النشاط الإعلامي والحقوقي المرتبط بالخارج، وتابع السوريين المتعاملين مع منظمات دولية، واقترح إجراءات عقابية بحقهم.
وساهم الفرع في جمع المعلومات والتنسيق مع فروع أمنية أخرى، مستخدماً أدوات مراقبة تقنية متقدمة، مثل تتبع الاتصالات الدولية والتحويلات المالية، ورفع تقارير أدت إلى قرارات اعتقال ومنع سفر ومصادرة أموال.
اقرأ أيضا: سفير سوري يكشف لـ”سوريا 360″ كيف حول المخلوع السفارات إلى أوكار مخابراتية
آلاف الضحايا
وثّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 17,438 حالة اعتقال تعسفي تسبب بها “الفرع 300″، بينهم سوريون وأشخاص من جنسيات أجنبية. كما وثّقت 2,463 حالة تعذيب على الأقل، رافقت التحقيقات التي ركزت غالباً على التمويل الخارجي والعلاقات الإعلامية والحقوقية، وانتهت في كثير من الأحيان باعترافات انتُزعت بالقوة.
وأشار التقرير أيضاً إلى انتهاكات إضافية، شملت الحرمان من الرعاية الصحية، وغياب المحاكمات العادلة، والابتزاز المالي لعائلات المعتقلين، ومراقبة الاتصالات دون أي إذن قضائي.
حمّل التقرير المسؤولية القانونية لقادة الفرع وقيادات إدارة المخابرات العامة، التي تعاقب على رئاستها منذ 2011، 3 ضباط فقط، مؤكداً أن الانتهاكات لم تكن فردية بل جزءاً من سياسة ممنهجة لقمع المعارضة. وشدد على أن جرائم الإخفاء القسري لا تسقط بالتقادم، وأن الأوامر العليا لا تبرر الانتهاكات الجسيمة، كما أن أي أدلة أو اعترافات انتُزعت تحت التعذيب تُعد باطلة قانوناً.
اختتم التقرير بجملة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى مساءلة قضائية شاملة للمتورطين، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وإخضاعها للرقابة القضائية والبرلمانية، وحماية الضحايا والشهود، وتعزيز مسارات العدالة الانتقالية. كما دعا الأمم المتحدة والجهات الدولية والمانحين إلى دعم جهود التوثيق، والبحث عن المفقودين، وبناء قدرات وطنية في الطب الشرعي، بما يضمن حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة وعدم الإفلات من العقاب.