سوريا 360 – جمعة الجاسم
لم يكن تحرير سوريا من المخلوع في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 مجرد حدث داخلي أنهى حقبة الاستبداد، بل شكل نقطة تحول استراتيجية أعادت البلاد إلى المشهدين العربي والدولي، فقد تحولت دمشق التي كانت معزولة بفعل سياسات المخلوع، إلى مركز دبلوماسي يستقبل وفودا عربية ودولية، في مشهد يؤكد بدء عودة سوريا تدريجيا إلى مكانتها الطبيعية كفاعل محوري في المنطقة.
بسقوط المخلوع، شهدت سوريا تحولا مهما تمثل في إخراج إيران وميليشياتها، وقطع التواصل بين طهران وميليشيا “حزب الله” اللبناني عبر أراضيها، ومن هنا بدأت سوريا الجديدة مسار إعادة وصل ما انقطع مع الأشقاء العرب، ومع تركيا والغرب، وقد تميزت سياسة قائد الإدارة السورية الجديدة “أحمد الشرع” بالبراغماتية، إذ فتح قنوات دبلوماسية واقتصادية لتدفق الاستثمارات عبر اتفاقيات استراتيجية، في مواجهة التحدي الأكبر: إعادة إعمار ما دمره المخلوع، والتي قدر البنك الدولي تكلفتها بـ 216 مليار دولار.
السعودية البوابة
رسم “الشرع” ملامح استراتيجية جديدة لسوريا من خلال 21 زيارة خارجية، بدأها من الرياض في 2 شباط/فبراير، في رسالة واضحة بأن سوريا ترى في السعودية بوابة العودة إلى محيطها العربي، ثم تكررت زياراته إليها مرتين لاحقا، كما شملت الزيارات تركيا (3 مرات)، قطر (3 زيارات)، الإمارات (زيارتين)، إضافة إلى البحرين والكويت والأردن ومصر وفرنسا وروسيا والبرازيل وأذربيجان ونيويورك، وصولا إلى واشنطن كأول رئيس سوري يزور العاصمة الأمريكية.
وحملت هذه الزيارات دلالات سياسية عميقة لإعادة تموضع سوريا على الخارطة الدولية وتثبيت حضورها في القضايا العالمية، مؤكدة رغبتها في أن تكون دولة فاعلة ومتوازنة، كما لعبت الدبلوماسية السورية دورا محوريا في تفكيك منظومة العقوبات عبر استراتيجية متدرجة هدفت إلى إعادة بناء الثقة الدولية.

اقرأ أيضا: 8 كانون الأول.. يوم سقطت مملكة الرعب الأسدية
“الشرع” في البيت الأبيض
ومن أبرز محطات هذا المسار، اللقاء التاريخي في البيت الأبيض بين “الشرع” والرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في 10 تشرين الثاني/نوفمبر، في أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ استقلال البلاد عام 1946، وشكل هذا اللقاء مفصلا مهما في مسار إنهاء العقوبات، وفي مقدمتها “قانون قيصر”، وجاء تتويجا لانفتاح واشنطن تجاه دمشق واستعدادها للشراكة، ما يؤسس لمرحلة جديدة من التعافي والبناء والتنمية على قاعدة السيادة والثوابت الوطنية.
بالتوازي مع الانفتاح الخارجي، أصبحت دمشق مقصدا لقادة ومسؤولي العالم، حيث استقبلت نحو 80 وفدا عربيا ودوليا وأمميا، في زيارات جسدت دعما سياسيا ومعنويا لبلد دخل مرحلة جديدة من تاريخه، وقد عكست هذه الزيارات رغبة المجتمع الدولي في إعادة دمج سوريا، لا كدولة خارجة من الحرب، بل كدولة تسعى إلى الاستقرار وإقامة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.

50 اتفاقية ومذكرة تفاهم
وأثمرت هذه الجهود عن توقيع نحو 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع دول ومنظمات وشركات عالمية وخليجية، شملت مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية والصحة والتعليم والزراعة، وهدفت هذه الاتفاقيات إلى تعزيز البنية التحتية وفتح آفاق جديدة في قطاعات حيوية تمس حياة السوريين مباشرة، إلى جانب تهيئة بيئة قانونية واقتصادية جاذبة للاستثمار، دعما للتنمية المستدامة وإعادة الإعمار بعد سنوات الحرب التي شنها المخلوع على الشعب السوري.
بعد عام على التحرير، تواجه سوريا تحديات جسيمة، اقتصادية وتنموية، إضافة إلى ملف اللاجئين والنازحين، لكن السوريين يرون أن هذه التحديات يمكن تجاوزها بالتكاتف والعمل لصالح الوطن، لا لصالح الأشخاص، طالما أن الهدف الأسمى للثورة تحقق بإسقاط أحد أعتى الأنظمة الديكتاتورية في العالم.
تقف سوريا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، لم تعد مجرد بلد خرج من الحرب، بل دولة تسعى إلى صياغة نموذج للتعاون الدولي القائم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة، عازمة على أن تكون شريكا فاعلا في مستقبل المنطقة والعالم، فسوريا ما بعد المخلوع ليست كما كانت في عهده، ودماء الشهداء لم تذهب هدرا، إذ أثمرت التضحيات وطنا حرا يمد يده إلى الجميع.