سوريا 360- وليد الزعل
بدأت سوريا تستشرف أفقًا جديدًا نحو إعادة الإعمار، مع حلول العام الأول من التحرير، وسط موجة حملات شعبية غير مسبوقة، وتحديات اقتصادية وسياسية هائلة.
سنوات الحرب التي شنها المخلوع على الشعب السوري خلفت دمارًا واسعًا، حيث يحتاج القطاع العام إلى إصلاحات بنيوية ضخمة.
ورغم أن سوريا بحاجة ماسة إلى تمويلات خارجية، فإن العام الأول شهد تناميًا غير مسبوق في المبادرات الشعبية والجهود المحلية التي بدأت تعيد الحياة إلى مناطق كانت في السابق تعج بالموت.
صندوق التنمية السوري
بعد التحرير، تم الإعلان عن تأسيس صندوق التنمية السوري الذي أُعد ليكون الجهة الرسمية التي تُعنى بتمويل مشاريع إعادة الإعمار.
ركز الصندوق في بداياته على تأهيل شبكات المياه والكهرباء والمدارس والمراكز الصحية، وقد لاقى الصندوق إقبالًا من المغتربين ورجال الأعمال السوريين.
ورغم هذه البداية المأمولة، يرى الخبير الاقتصادي “أحمد المسالمة” أن “قدرة الحكومة السورية على إدارة ملف الإعمار تشكّل ركيزة أساسية في بناء مشروعيتها السياسية”، مضيفًا في حديثه مع منصة “سوريا 360” أن المواطن السوري يواجه أولويات حياتية ملحة، تتراوح بين تأمين الخدمات الأساسية والإسكان، لكنها تتطلب مزيدًا من التوازن بين المصالح الوطنية والدولية.
حملات الشعبية
شهد العام الأول حملة شعبية ضخمة من المواطنين الذين اتخذوا المبادرة لإعادة بناء المناطق المدمرة. إحدى أبرز هذه المبادرات كانت حملة “أبشري حوران” في درعا، التي جمعت نحو 44 مليون دولار في أسبوع واحد لدعم مشروعات خدمية وتعليمية. الحملة شكلت نموذجًا على قدرة المجتمع السوري على تنظيم الجهود المحلية دون الاعتماد على المساعدات الدولية.

اقرأ أيضا: بين السويداء ودرعا.. إعادة إعمار وخيام متناثرة
وفي السويداء، تم إطلاق حملة “السويداء منّا وفينا“. هذه المبادرة تهدف إلى تأهيل المرافق المتضررة، وتقديم الدعم للأسر الأكثر تضررًا.
بينما في الشمال، كان لحملة “الوفاء لإدلب” أثر كبير حيث تجاوزت التبرعات فيها 200 مليون دولار، موجهة لإصلاح البنى الأساسية مثل المدارس والمستشفيات. مرورا بحملات مشابهة في حماة، ريف دمشق، دير الزور، حمص، حلب، وعشرات المناطق التي سارت على نفس الدرب.
التحديات أمام الإعمار
رغم الزخم الشعبي الكبير، تبقى عملية الإعمار بحاجة إلى استثمارات ضخمة تفوق قدرة التبرعات الشعبية، ويتفق الخبراء على أن الحلول المحلية لا تكفي لمواكبة حجم الدمار واحتياجات إعادة الإعمار على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، أكد “أحمد المسالمة” أن التحدي الأكبر يكمن في “تحقيق توازن بين المصالح المحلية والمصالح الأجنبية”، مؤكدًا أن استثمارات الخارج تأتي “مع شروط سياسية واقتصادية”، وهو ما يهدد استقلالية القرار السوري.
ويشير “المسالمة” إلى أنه رغم التوقعات بنمو ضعيف للاقتصاد السوري في العام الحالي، يبقى أمام الحكومة السورية فرصة لبناء بيئة استثمارية مستدامة تكون في صالح المواطنين أولًا، وتحافظ في الوقت نفسه على السيادة الوطنية.
الاستثمارات الأجنبية
بعد تحرير البلاد، توالت الوعود بالاستثمارات من دول عربية وأجنبية، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية عن مشروعات بقيمة 6 مليارات دولار في مجالات الطاقة والزراعة والعقارات، في حين دخلت الإمارات وقطر على الخط عبر مشروعات مشتركة تصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار.
ورغم هذه الوعود، يظل الاقتصاد السوري هشًا، حيث لا يتجاوز الدخل الفردي 830 دولارًا سنويًا، فيما يعاني 14 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي.

اقرأ أيضا: “بحصة تسند جرة”.. السوريون يشعلون شمعة وسط عتمة الخراب
أكثر من مجرد ترميم
في حديثه لمنصة “سوريا 360″، أكد الحقوقي ‘عماد عبد العزيز” أن معركة الإعمار تتجاوز الجوانب المادية لتشمل “ملفات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية”.
وأضاف أن “إعادة الإعمار ليست مجرد ورشة هندسية” بل هي اختبار حقيقي لبناء سوريا جديدة. “عبد العزيز” أشار إلى أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تنجح دون إشراك جميع مكونات المجتمع السوري، بما في ذلك الأقليات التي تشعر بالتهميش.
وأكد “عبد العزيز” أن المجتمع الدولي لن يساهم في إعادة الإعمار بشكل جاد ما لم يتم تحقيق العدالة للمواطنين، متمنيًا أن تكون هذه الجهود جزءًا لا يتجزأ من عملية إعادة الإعمار نفسها.
مشروع سياسي وإنساني
لا تقتصر عملية إعادة الإعمار على ترميم البيوت والطرقات فقط،كما يقول الناشط “محمد المحمد” لـ”سوريا 360″ بل هي عملية معقدة تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية. فإلى جانب إعادة البناء المادي، هناك حاجة ماسة لمصالحة وطنية شاملة، خاصة بعد سنوات من النزاع الداخلي. في هذا الإطار، تعمل الحكومة السورية على إيجاد سبل لتسوية القضايا الإنسانية والسياسية التي تشكل تحديات أمام عملية الإعمار.
في نهاية العام الأول من التحرير، يمكن القول إن سوريا وضعت قدمها على أول الطريق نحو إعادة الإعمار، ولكن الطريق ما يزال طويلًا. ورغم التحديات الهائلة، يبقى السوريون متمسكين بإرادتهم في إعادة بناء وطنهم، ويأملون في أن تثمر الجهود الشعبية والرسميّة معًا في تحقيق سوريا جديدة خالية من الدمار والتقسيمات السياسية.