سوريا 360 – متابعات- أسامة مراد
انتشر خلال الأيام الماضية مقطع قصير على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر سيدة تدعى “س.ح” أثناء مقابلة خلال إحدى الاحتفاليات في مدينة حلب. المقطع الذي تضمن زلة لسان بسيطة لم يُنشر عبر المنصة الإعلامية التي أجرت التصوير، بل جرى تسريبه – على الأرجح – من المصوّر الذي كان مسؤولاً عن المادة.
وأثارت الواقعة جدلاً واسعاً بين المتابعين، إذ اعتبر كثيرون أن نشر مثل هذه اللقطات يمثل انتهاكاً لأخلاقيات المهنة الصحفية، خاصة أن السيدة طلبت صراحةً عدم عرض المقطع.
وعلّقت الناشطة “غيداء الحسين” على الحادثة بقولها: “لو كنتُ المسؤولة عن المراسلين في (زمان الوصل)، لما تردّدت لحظة في إنهاء عقد المراسل الذي صوّر ذلك الفيديو ونشره، رغم طلب السيدة صراحةً وبوضوح عدم نشر المقطع. كان الواجب الأخلاقي والمهني أن يُحذف فوراً دون تردّد، لكنه نشره رغم ذلك. هذا ليس مجرد خطأ بل سقوط مهني مدوٍّ”. وأضافت أن الهجمة التي تعرضت لها السيدة كانت “أكبر وأقسى مما يحتمله أي إنسان”، معتبرة أن من حقها قانونياً وأخلاقياً رفع دعوى ضد المراسل أو الجهة الناشرة.
ونشر الصحفي “مصطفى حاج سلوم” عبر حسابه بمنصة X: “أن أخلاقيات العمل الصحفي تقتضي الامتناع عن نشر أي محتوى قد يسيء للضيف أو يضر بسمعته، حتى لو كان الخطأ غير مقصود”. وأكد أن احترام رغبة الضيف بعدم النشر “قاعدة ثابتة لا تمس”، مشدداً على أن الصحافة مسؤولية قبل أن تكون خبراً، وأن احترام الإنسان جزء من المهنية.
المعايير الدولية
وبحسب المعايير الدولية لأخلاقيات الصحافة (IFJ، SPJ، UNESCO)، هناك مبدأ ثابت يُعرف بـ”حق الاستدراك”، ويعني احترام حق الضيف في طلب تصحيح أو حذف أي عبارة وردت عن غير قصد، إذا لم تكن قد بثّت بعد. وفي النظام الداخلي لاتحاد الصحفيين السوريين، تنص المادة السابعة على “احترام الحقيقة وعدم تحريفها، والمحافظة على سرية المعلومات، واحترام حقوق الأفراد وعدم الإساءة إليهم”.
اقرأ أيضا: الإعلام السوري إلى أين؟.. “الباب بفوت جمل”!
ولا يوجد نص صريح في القانون يمنع نشر زلة لسان، لكن الأمر يُدرج ضمن المواد التي تمنع الإضرار بالأفراد وتوصي بأمانة النقل. أما العقوبات فهي غالباً نقابية مثل الإنذار أو التوبيخ أو الإيقاف المؤقت، وقد تصل إلى المساءلة القضائية إذا قرر المتضرر رفع دعوى.
اعتذار رسمي
وفي تطور لافت، قدّم رئيس تحرير صحيفة “زمان الوصل” اعتذاراً علنياً للسيدة “س.ح”، مؤكداً أن ما حدث “لا يعكس سياسة المؤسسة ولا التزامها بأخلاقيات المهنة”. كما نشر مكتب العلاقات الإعلامية في حلب صورة تجمعه مع السيدة، معلناً عبر بيان رسمي أن اللقاء جاء “لتقديم الاعتذار المباشر والتأكيد على احترام حقوقها وكرامتها”. وأوضح المكتب أن هذه الخطوة تهدف إلى “إعادة بناء الثقة مع الجمهور وتعزيز الالتزام بالمعايير المهنية”. مصادر إعلامية محلية نقلت عن مشاركين في الاجتماع أن السيدة “س.ح” قبلت الاعتذار، لكنها شددت على ضرورة “وضع ضوابط تمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً”.
وفي تصريح لـ”سوريا 360“، قال الباحث الإعلامي “فراس العلي” إن ما حدث “يمثل خرقاً واضحاً لمبدأ الموافقة المستنيرة”، مضيفاً أن “المصور الذي سرّب المقطع تسبب في موجة إساءة كان يمكن تفاديها لو التزم بأبسط قواعد المهنة”.
من جانبه، أوضح المحامي “سامر أبو زيد” أن “القانون السوري يحمي الأفراد من التشهير والإساءة العلنية، ورغم عدم وجود نص صريح حول زلات اللسان، إلا أن نشرها دون موافقة يُعتبر تعدياً على الحق في الخصوصية”.
الحاجة للتدريب
وأعادت الحادثة إلى الواجهة النقاش حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية في حماية الضيوف، وضرورة تعزيز التدريب المهني والأخلاقي للصحفيين، بما يضمن احترام حقوق الأفراد وصون سمعتهم.
ولا تعتبر هذه الحادثة معزولة، بل تكشف عن فجوة واضحة في واقع العمل الإعلامي السوري، حيث يفتقر عدد كبير من المراسلين والمصورين إلى التأهيل العلمي والمعرفة الكافية بالقوانين والمواثيق الدولية التي تنظّم المهنة. فغياب التدريب المنهجي على أخلاقيات الصحافة يجعل بعض الممارسات اليومية عرضة للأخطاء والانتهاكات، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة الجمهور بالإعلام.
ويؤكد عدد من الخبراء الصحفيين وأعضاء في اتحاد الصحفيين السوريين أن الحاجة باتت ملحّة لإطلاق برامج تدريبية متخصصة في أخلاقيات المهنة، تستند إلى معايير الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) ومنظمة اليونسكو، إلى جانب النظام الداخلي لاتحاد الصحفيين السوريين، بما يضمن التزام الصحفيين بمبادئ احترام الحقيقة، حماية الخصوصية، وعدم الإساءة للأفراد. فالمهنة ليست مجرد نقل خبر، بل مسؤولية اجتماعية وأمانة أخلاقية تتطلب وعياً قانونياً ومهنياً راسخاً.