سوريا 360 ـ خاص
أن تحاور امرأة بنت شهيد وأم شهيد وأخت شهيد في آن، يعني أن تحاور الصبر في ذراه واﻻحتساب في صفوته وصفاه، فكيف بك وأنت تحاور صاحبة عبارة “أنا بعطي ما باخد” التي أسرت ألباب الملايين.. فإلى حوار “سوريا_360“، مع المربية “هدى محمود أبو العيون“:
رواها كثير عنك.. بنت شهيد وأم شهيد وأخت شهيد، لكننا نريد أن نعرف أثرها وصداها في حياتك ووجدانك.. ما الذي يعنيه أن تكون امرأة ومربية وربة أسرة كذلك؟
لقد خضتّ تجربة الفقد مرات عديدة، في أعزّ البشر على قلبي أبي “محمود أبو العيون”، فخري وقدوتي في هذه الحياة.. أخي “عبدالقادر”، من كبُر على يديّ فأنا أخته الكبرى.. ابني “عقبة”، من أخذ من روحي وترعرع بين يديّ و كبُر أمام عيني وفيه تركتُ حلمي.
لكني لم أكن أرى ذلك الفقد إلا امتحانا من ربّ عظيم، أراد أن يختارنا من بين عباده ويمّحص قلوبنا بالفقد وينقيها بالألم.
ما الذي أنطقك تلك العبارة البسيطة والمدوية في نفس الوقت: “أنا بعطي ما باخد”، وهل كنت تريدين أن توصلي بها رسالة ما، أم إنها جاءت عفو الخاطر؟
عبارة “أنا بعطي ما باخذ” خرجت كردة فعلٍ من يقيني بأن ذهابي لهذه الحملة كان لهدف واحد، هو التبرع، وأن لا مساومة على دماء ابني الشهيد.
وكوني معلّمة فقد اعتدت العطاء، وهذا سلوك طبيعي يتجسد في شخصية الإنسان الذي اعتاد البذل على مر سنين طويلة.
لقد اعتذرت عن قبول المبلغ المعروض، لأسباب عدة، أعظمها أن لا ينقص من أجر صبرنا شيئا.
رعاية خاصة شاملة
حدثينا عن “أبي البراء”، ابنك عقبة.. كيف ربيته ولأي شيء أعددته، وكيف تلقيت خبر استشهاده؟
كان شهيدي عقبة منذ طفولته طيبا وحنونا وبارا، رقيق القلب يفيضُ بالرضا.
كان منذ صغره رفيقاً لي وصاحب مسؤولية، لم يتوان عن مساعدة إخوته في أي أمر طُلب منه.
كبُر “عقبة” وانتسب إلى صفوف الثورة، وكان يطلب مني أن أدعو له بشهادة مشرِّفة ترضي الله تعالى، يكون جسده فيها أشلاءً.. وكان له ما طلب ونالها، رحمه الله.
أما خبر استشهاده فقد تلقيته بالصبر والاحتساب.. في اللحظات الأولى لتلقي النبأ توضأت وذهبت لأقف بين يدي الله وأصلي ركعتين حمدا وشكرا أن أكرمه الله وأكرمنا بالشهادة في سبيله، كنت أقف أمام أبيه وأخوته لأصبّرهم في تلك اللحظات.
كان الصبر الذي نزل على قلبي رحمة من الله بي، ومما واساني وصول جثمانه إلينا، حيث كانت أكثر مخاوفي أن يقع أسيرا بين يدي عدو فاجر ظالم.
بصراحة مطلقة.. هل تشعرين أن بنات وأمهات وأخوات الشهداء في سوريا ـ كلهن أو بعضهن ـ قد غُمطن حقوقهن، ولم يعطين ما يستأهلن من الرعاية واﻻهتمام، إن لم يكن من باب المواساة، فمن باب اﻹقرار بالجميل؟
لا أظن ذلك، فالجهات المسؤولة، ومن وراءها من لجان ومؤسسات وجمعيات، تولي هذه الفئة اهتماماً كبيرا.
ومع ذلك فكلّي أمل أن تحظى عائلات الشهداء وأبناؤهم برعاية خاصة شاملة، تعوضهم عمّا فقدوه، وتؤمن لهم سبل العيش الكريم معززة جوانب التعليم والصحة والغذاء بالشكل المطلوب.
اقرأ أيضا: عنوانكم الأرض.. “ياسر العبود” القائد الذي رأى ما غاب عن مؤتمرات الساسة
الأم الحنون
يخيل لبعضهم أن اﻷم التي تربي شهيدا تكون قد بلغت المنتهى، ولكن سيرة المربية “أم إبراهيم” مع أبنائها تقول غير ذلك، عبر إصرارها على تميزهم.. فماذا لديك لتخبرينا وتخبري كل أم؟
ربيت أبنائي كأم، وعلّمت أجيالاً كمعلمة، وكان مبدأي ودافعي الأساسي في هذه الحياة حديث رسولنا الكريم محمد صلّى الله عليه وسلم “إذا قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها”.
أكرمني الله بأن ينال أبنائي خير شهادات العلم في الدنيا، وينال شهيدي عقبة شهادة في سبيل الله طلبها وفضّلها على شهادات الدنيا.
فلديّ بين أبنائي توأم عقبة أخوه الذي رافقه درب الجهاد، وابنة صيدلانية، وابن يعمل في حقل الصحة كفني تخدير، وابن يعمل طبيبا بيطريا، وآخر فني صناعة، والجميع مستمرون إن شاء الله على طريق العلم.
فمهما اعترضتنا آلام وصعاب لا بُدّ من الصبر والرضا والقبول بسنّة الحياة واختيارات الله لنا، والسعي لمرضاة الله، بغرس الدين والعلم في الأجيال التي ستكمل الطريق للمستقبل.
قدر الله ﻹدلب أن تنال لقب “أم الكل” لسنوات، ولما أذن تعالى بالنصر، تبين لكثيرين على الحقيقة أن إدلب أمهم، فلم يبرحوها.. فما مرد ذلك برأيك؟
احتضنتنا إدلب في أمرّ أيام وسنين حياتنا، عشنا فيها القصف والنزوح والتهجير من قرية إلى أخرى، كما استشهد فيها ابني فلذة كبدي وسقت دماؤه أرضها، التي تحضن أيضا جسد ابني حيث دفناه.
تشاركنا مع أهل إدلب الألم الواحد ومشاعر الحزن، ثم الفرح والانتصار.
لقد أخذت إدلب دور الأم الحنون التي احتضنت أبناءها على اختلاف مناطقهم ومحافظاتهم، حيث جمعهم هدفٌ واحد وألم واحد.. وهذا هو جوهر العلاقة.
اقرأ أيضا: أبو عمر سراقب.. القائد الذي غير خريطة الثورة السورية ومهد لـ”ردع العدوان”
أنا بعطي ما باخد
أيام وتحل ذكرى “يوم ميلاد السوريين” 8 كانون الثاني.. ما أحوج ما يكون له السوريون كي يصونوا هذا اليوم، ويحفظوا ما نالوه مع بزوغ فجره؟
نحن أحوج ما نكون للاعتماد على الله دائما وأبدا، فهو من أكرمنا بهذا النصر المؤزر، وهو العظيم الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون.
ونحن أيضا بحاجة للابتعاد عن التنازع والتفرقة، فهما يوصلان إلى الضعف ويوهنان العزيمة.. أدعوكم إلى اجتماع القلوب وأن تكونوا صفا مرصوصا ويدا واحدة في وجه أي ظالم، اقتداء بقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
وعلينا أن لاننسى تضحيات الشهداء وما بذلوه من دماء، هي منارات للحاضر والمستقبل، فلهم الفضل من بعد الله عز وجل بما نحن عليه اليوم من عز وفخر.
وأن ﻻنتوانى في أن ننقل بصدق أحداث ثورتنا المباركة للأجيال الحالية والقادمة، كي لا تضيع بفعل المضللين والأعداء.
للتذكير:
خلال حملة “فداء لحماة” مرت مواقف كثيرة ممن قدموا وتبرعوا، لكن اﻷكثر تأثيرا كان موقف المعلمة “هدى أبو العيون” التي تكلمت باسم أمهات الشهداء، قائلة إنهن ﻻ يملكن الدولارات ليتبرعن بها، لكنهن قدمن الدماء، مقدمة جعبة وبدلة ﻻبنها الشهيد وخاتما كانت قد ادخرته لخطبته.
وقد عٌرض عليها شراء البدلة بـ10 آﻻف دولار، فقام قائد “جيش العزة” منوها بأن بدلة الشهيد غير قابلة للشراء أو البيع فهي لا تقدر بثمن، وقدم مبلغ 10 آﻻف، بواقع 5 آﻻف لحملة “فداء حماة” و 5 آﻻف للمعلمة “أبو العيون” فرفضت وقالت: “المبلغ لبناء الوطن.. أنا بعطي ما باخد”.. وعند هذه العبارة الأخيرة “أنا بعطي ما باخد” ذهل الحاضرون والمستمعون، من شدة عفاف هذه اﻷم وحبها للعطاء.
“هدى أبو العيون” ابنة مدينة “كرناز“، هي ابنة الشهيد محمود أبو العيون، وأخت الشهيدعبد القادر أبو العيون، وأم الشهيد عقبة أبو العيون، وقد قدمت عائلة “أبو العيون” قرابة 35 شهيدا.