سامر سليمان – صحافي سوري
ليست الأخطار التي تلوح في الأفق السوري مجرّد طارئ سياسي أو اضطراب أمني؛ إنها نتيجة مسار طويل من الثغرات الداخلية التي تُستثمر بمهارة من أطراف خارجية تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة: جرّ البلاد مجددًا إلى حافة الهاوية. وما حدث في الجنوب قبل أشهر كان مثالًا صارخًا على كيف يُمكن لحدثٍ واحد أن يتحوّل إلى مدخل لانفجار واسع حين يغيب العقل الجمعي، وتتراجع القامات الوطنية، وتُترك الساحة لمن يوظّفون الغضب في اتجاه واحد.
ففي لحظة فارقة، انسحبت القوى الأكثر اعتدالًا من المشهد، وصعد بديلٌ متشنّج قدّم نفسه ممثلًا وحيدًا، مستغلًا صدمة الناس وتعبهم وخوفهم، ليفرض خطابًا يقسم بدل أن يجمع. وهكذا تحوّلت المنطقة إلى ساحة تتحرك فيها أجندات موضوعة بعناية، تُغذّي الشك، وتقطع الطرق بين الدولة وشرائح كانت ترى فيها شريكًا طبيعيًا، لا خصمًا ولا طرفًا في صراع محلي.
ويصبح الفراغ الاجتماعي بيئة خصبة لظهور وكلاء محليين لمشاريع أكبر من حدود المنطقة، مشاريع تتغذّى من الشرخ وتعيد صياغته سياسيًا وأمنيًا. ولأن الفخ لم يكن وليد اللحظة، بل صُمّم خارجيًا ونُفّذ محليًا، بدا وكأنه ناتج عن أزمة داخلية فحسب، بينما كان في جوهره جزءًا من لوحة إقليمية مُعقدة.
وهذه ليست المرة الأولى التي يُساق فيها المجتمع السوري إلى مواجهات داخلية مصطنعة. فقد عرف تاريخ البلاد لحظات مشابهة، كلما ضعفت المناعة الوطنية، وكلما تراجعت القوى التي تحفظ الوعي العام. كان الانقسام يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة، وبالآلية ذاتها: استثمار الخوف، وتحويل القلق إلى هوية، وتجيير الصدمة لصالح مشروع خارجي أو داخلي يقوم على تفكيك المجتمع بدل حمايته. الجديد في هذه المرحلة أن أدوات صناعة الفتن تطوّرت، ولم تعد تُصنع بالخطب الحادة فقط، بل تُصاغ بطرق رقمية أكثر دهاءً.
تضليل منظم
اليوم، تنتشر منصّات تضليل منظّم، وحسابات وهمية تُدار من غرف إعلامية خارج الحدود، وتُنسَّق حملات مدروسة تشبه العمليات النفسية أكثر مما تشبه التعبير السياسي. هذه الأدوات لا تستهدف تغيير الرأي العام فقط، بل تستهدف هشاشته، وتحوّل الانفعال اللحظي إلى قناعة راسخة تُعاد صياغتها داخل غرف مغلقة. الخطر هنا أن المجتمع المنهك، المُثقل بذكريات الحرب، يصبح أكثر قابلية لتلقي هذه الرسائل، وأكثر استعدادًا للانجرار خلف أي خطاب يُشعره بأنه محاصر أو مهدد.
ومن السهل في بيئة كهذه استدعاء الذاكرة الطائفية. فالخوف يُبنى بالتراكم واللعب عليه، في مجتمع أنهكته الحرب، لا يحتاج أكثر من شرارة؛ والمشكلة أن هذه الشرارة تُصنع اليوم عمدًا، لا صدفة.
وفي ظل هذا الواقع، يتكرر السيناريو اليوم في منطقة أخرى. خطاب متشنّج يزعم التمثيل الحصري لطائفة كاملة، ومحاولة دفع مجتمع بكامله نحو خندق ضيق يُختصر فيه التاريخ والجغرافيا بموقع واحد، وعلى الناس أن يختاروا بين التخندق أو الاتهام. و”غزال غزال” ليس ظاهرة منفصلة؛ بل حلقة في مسار متكامل يجري فيه استثمار اللحظات الهشّة، وتضخيم التفاصيل، واستدعاء الغرائز، وتحويل الخوف إلى هوية سياسية نافرة.
اقرأ أيضا: حين يخرق المركب.. ننجو أو نغرق معا
وما يفاقم الخطر أن الداخل نفسه بات يسهم، من دون وعي، في تسهيل هذا المسار. فعندما يواجه الناس التوتر بالمزيد من التحريض، والخوف بالمكابرة، والغضب بالاستهانة، يصبح المناخ مهيّئًا لأصوات مغالية كي تتصدّر المشهد. لا يمكن لأي مجتمع أن يصمد بينما تتراكم جراحه بلا تضميد: سلاح منفلت، وغياب عدالة، وحقوق يؤخذ بعضها باليد، وأوجاع مكتومة تتراكم. تجاهل كل ذلك لا يؤدي إلى السكينة، بل إلى انفجار مكبوت.
خيوط متشابكة
وسط هذا الفراغ، تتحرّك خيوط متشابكة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، خيوطٌ تنبع من الداخل المثقل بأزماته، وأخرى تُسحب من خارج الحدود بدقّة تُثير أكثر من سؤال. فالمنطقة بأسرها تقف على حافةِ اشتعال مفتوح: إيران تراقب المشهد ببرودةٍ محسوبة، تتحيّن اللحظة التي تتيح لها إعادة تدوير الفوضى بما يخدم حساباتها الإقليمية؛ و”حزب الله” يعيش واحدة من أكثر لحظاته توتّرًا، واقفًا بين إرثه العسكري وضغط الواقع الذي يتبدّل من حوله؛ فيما تبحث إسرائيل عن أي منفذ يبدّد عنها احتقانها الداخلي، حتى لو كان الثمن إشعال جبهة جديدة لا تحتاج إلى مزيد من النيران. وفي قلب هذا كله، تقف سوريا—المنهكة، الجريحة، المتروكة عند تخوم الاحتمال—لتغدو في نظر تلك القوى الساحة الأكثر قابلية لخلط الأوراق وإعادة صياغة التوازنات المتصدّعة.
في الداخل، تتوالى المؤشرات. جرائم مفصلية تُنفّذ بعنفٍ استعراضي يحمل رسائل أكثر مما يحمل دوافع جنائية، ويُراد منها إيقاظ غريزة الانتقام. بيانات متشنجة تظهر في توقيت محسوب، وتظاهرات تُرفع فيها رموز استفزازية لا تقف عند حدود التعبير، بل تعلن بوضوح أن هناك من يريد اقتسام الجغرافيا بالتحريض، لا بالحوار. الخطر هنا لا يكمن في الحوادث نفسها، بل في سرعة الاستثمار فيها، وفي استعداد بعض الأطراف لإعادة إنتاج الانقسام بوصفه وقودًا لمشروع أكبر.
في ظل هذا المشهد، تصبح المسؤولية مضاعفة. حماية البلاد اليوم لا تقتصر على المؤسسات الرسمية المجهدة أصلًا؛ بل تتطلب وعيًا شعبيًا قادرًا على تفويت الفرصة على كل من يريد استدراج السوريين إلى مواجهة مع أنفسهم. فالتصعيد الطائفي لا يحمي أحدًا، بل يفتح الباب لمن يتربصون بانتظار لحظة التصدّع الكبرى. إنّ الذين يدفعون نحو الفوضى لا يستهدفون مجتمعًا بعينه، بل الدولة كلها، لأن انهيارها يمنحهم نافذة لإدخال مشروعهم الإقليمي عبر شقوقها.
إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ليست خيارًا ثانويًا، بل شرطًا لبقاء البلد. جبر الضرر، سيادة القانون، ومأسسة دور المجالس الأهلية كحواضن تهدئة لا حواضن تعبئة—كلها خطوات ضرورية لوقف الانحدار.
فالصراع اليوم لم يعد سياسيًا فقط. إنه صراع على الوعي:
من يعرّف الهوية الوطنية؟
من يمتلك حق الكلام باسم الطوائف؟
من يكتب الذاكرة التي تتشكل الآن أمام أعيننا؟
هذه الأسئلة أخطر من كل خطوط التماس، لأنها تحدد شكل الوطن قبل أن تحدد مصيره.
سوريا اليوم في عين العاصفة، لكن الريح ليست قدرًا. البلاد لا يحميها السلاح وحده، بل الوعي الذي يرفض أن يتحول إلى وقود في معركة لا يريدها السوريون، ويريدها كثيرون غيرهم.
سوريا اليوم، بجراحها الثقيلة وإرثها المهدد، بحاجة إلى من يعصمها من الاندفاع، لا من يشعل حرائق جديدة فيها. ومن واجب الجميع – لا جهة واحدة – أن يدركوا أن الغضب مهما بدا مبررًا، يمكن أن يصبح أداة في يد من لا يريد لهذا البلد سوى الخراب.